منتدى شعاع الإيمان

إذا أردت النجاح في حياتك الدينية و الدنيوية .. فأنت في المكان الصحيح
 
الرئيسيةالرئيسية  اليوميةاليومية  س .و .جس .و .ج  بحـثبحـث  الأعضاءالأعضاء  القرآن الكريم  المجموعاتالمجموعات  الفوتوشوب  اتصل بنا  التسجيلالتسجيل  دخولدخول  
أفضل الاعضاء هذا الشهر
آخر المشاركات
احصائيات سريعة
هذا المنتدى يتوفر على 482 عُضو.
آخر عُضو مُسجل هو dalel فمرحباً به.
أعضاؤنا قدموا 7753 مساهمة في هذا المنتدى , في 2964 موضوع

اهلا بك زائرنا الكريم

لأننا نعتز بك .. ولأننا نفخر بوجودك معنا.. نحن ندعوك للتسجيل معنا في منتدانا ولتكون أحد أفراد عائلتنا الودودة فهل ستقبل دعوتنا ؟ عملية التسجيل سهلة جدا ، تستغرق أقل من دقيقة

النقاد يتحدثون ، العوامل المؤثرة في تكوين الاتجاهات الجديدة لنقد القصة والرواية

حفظ البيانات
الرئيسيةالإنضمامنسيت كلمة المروربحثطلبات التصميم اتصل بنا

شاطر | 
 

 النقاد يتحدثون ، العوامل المؤثرة في تكوين الاتجاهات الجديدة لنقد القصة والرواية

استعرض الموضوع السابق استعرض الموضوع التالي اذهب الى الأسفل 
كاتب الموضوعالموضوع


عضو vip

عضو vip
معلومات إضافية
 احترامه لقوانين المنتدى احترامه لقوانين المنتدى :
الدولة الدولة : المغرب
الجنس الجنس : ذكر
عدد المساهمات عدد المساهمات : 1546
نقاط العضو نقاط العضو : 36
تاريخ التسجيل تاريخ التسجيل : 06/03/2015
العمر العمر : 19

معاينة صفحة البيانات الشخصي للعضو
مُساهمةموضوع: النقاد يتحدثون ، العوامل المؤثرة في تكوين الاتجاهات الجديدة لنقد القصة والرواية   الخميس 17 ديسمبر - 19:23

النقاد يتحدثون ، العوامل المؤثرة في تكوين الاتجاهات الجديدة لنقد القصة والرواية

النقاد يتحدثون ، العوامل المؤثرة في تكوين الاتجاهات الجديدة لنقد القصة والرواية



(01)


د.عبدالله أبوهيف


نهض النقد الأدبي في الخمسينيات والستينيات نهضته المعتبرة، باتجاه أصالته، وانتشاره، وعلميته، معرفياً ومنهجياً، مصطلحياً ونظرياً وتخصيصاً، (النقد النوعي والمتخصص للأجناس الأدبية). غير أن اتجاهات نقد القصة والرواية الجديدة، بدأت بالتشكل والظهور في السبعينيات، وقد ساعد على هذا التشكل والظهور عوامل كثيرة أثرت تأثيراً بالغاً في الرواية والقصة ونقدهما بنهاجيات حديثة، مثل الترجمة، ووسائل الاتصال وثورة المعلومات، وتطور العلوم والنهاجيات المعرفية، وأبحاث الهوية، والتطلع إلى الحديث والحداثة، وهي العوامل الأهم، بالإضافة إلى الاتصال الشخصي بمصادر الاتجاهات الجديدة ومراجعها مباشرة، نتيجة لتعلم اللغات الأجنبية، ولوفرة الروافد العلمية والأكاديمية العربية، ممن درسوا في الجامعات والمعاهد الأجنبية. 


وتسارعت عوامل أخرى لدى جمهرة عريضة من النقاد والباحثين، وهي في غالبيتها نتاج العلاقة المؤرقة بين الذات والآخر، بين التقليد العربي والمؤثرات الغربية، مثل التأليف المعجمي والمصطلحي والموسوعي في الأدب بعامة، والقصة والرواية بخاصة، والعلاقات بين الفنون، وأبحاث نظرية الأدب ونظرية القصة والرواية بعد ذلك، والبحث عن نظرية نقدية عربية:


1- الترجمة:


لقد نشطت الترجمة كثيراً خلال فترة البحث، ولاسيما ترجمة القصة والرواية وبحثهما. ويشير الكتاب الذي أصدرته المنظمة العربية للتربية والثقافة والعلوم بجزأيه «دراسات عن واقع الترجمة في الوطن العربي» (1985) إلى النضج الذي بلغته الترجمة في أقطار عربية كثيرة، فقد «استأنف العرب، بتعبير شحادة الخوري، سعيهم في ميدان الترجمة، بعد أن حققت البلدان العربية استقلالها، وملكت حريتها، فجعلوا منها رافداً لثقافتهم الخصبة الأصلية التي يعتزون بها». و«المهم في الوقت الراهن معرفة الواقع والانطلاق منه إلى حال أفضل، بإحداث المؤسسات، وإصدار التشريعات، وسد الثغرات، واستنباط الوسائل التي تكفل التقدم والنجاح وتحقيق الهدفين الكبيرين: تعريب العلم والتعليم والمجتمع، والتواصل مع الثقافة الأجنبية إغناء لثقافتنا العربية، وتعريفاً بالعبقرية العربية وقدراتها الإبداعية في الأمس واليوم، وفي الغد»([1]).


إن شحادة الخوري، وهو الخبير المعروف في ميدان الترجمة، يؤكد بلوغ العرب مستوى النضج في الترجمة، استعادة للفترة الذهبية في عصر المأمون وبيت الحكمة في القرنين الثاني والثالث للهجرة، ويأمل الانطلاقة إلى حال أفضل تجعل الترجمة رافداً أساسياً من روافد الإبداع. ولعلنا ندرك هذا المستوى من النضج حين نقارن واقع الترجمة خلال فترة البحث، بواقعها في الفترات السابقة، فقد أقر حسام الخطيب (فلسطين) لدى دراسته لسبل المؤثرات الأجنبية في القصة السورية، أن الترجمة «قطعت شوطاً عظيماً في الخمسينيات، ولاسيما في المجال القصصي، وترجمت روايات وقصص كثيرة عن الفرنسية، وأحياناً عن الإنكليزية، وعن طريق هاتين اللغتين ترجمت آثار قصصية كثيرة عن آداب (أوروبية) أخرى كالروسية والألمانية والإيطالية والهندية والأسبانية والصينية وغيرها»([2]).


وما ذكره الخطيب لا يتجاوز عشرات الكتب، أما في فترة البحث فجاوز العدد المئات، ناهيك عن النضج في مستوى الترجمة وتخصصها، بفضل التطور في معرفة اللغات الأجنبية، إذ لم تعد مقتصرة على اللغتين الإنكليزية والفرنسية، وفي احترافها وتطور تقاناتها، وتوافر الأعداد الكبيرة من مترجمي النصوص الأدبية الذين يتحلون بالشروط اللازمة لمثل هذه الترجمة([3])، وفي تعدد دور النشر العامة والخاصة التي زادت على المئات في بعض الأقطار العربية.


ونورد إشارات عن ترجمة القصة والرواية ونقدهما في فترة البحث:


1-1- ترجمة الرواية والقصة:


اقتصرت ترجمة الرواية على روايات ومجموعات قصصية قليلة في كل عقد حتى نهاية الستينيات، ولكن الانطلاقة الكبيرة حدثت في السبعينيات بتخصيص سلاسل خاصة بالرواية والقصة العالمية لدى عدد من دور النشر العربية، أو اعتماد سياسة نشر مستمرة للروايات والقصص العالمية.


كانت دار الهلال، تنشر رواية كل شهر، من الروايات البوليسية أو الاستهلاكية أو المقتبسة، ونادراً ما نشرت روايات أو قصصاً مما يعد نماذج طيبة لهذين الجنسين القصصيين. وشرعت دور نشر عامة وخاصة بنشر رواية أو روايتين كل عام، على تفاوت في الستينيات، مثل «دار اليقظة العربية» (دمشق)، و«دار الآداب» (بيروت)، و«المكتبة الحديثة» (بيروت)، و«دار المعارف» (القاهرة)، و«مكتبة الأنجلو المصرية» (القاهرة)، و«الإدارة العامة للثقافة بوزارة التعليم العالي ـ سلسلة الألف كتاب» (القاهرة) و«الدار المصرية للتأليف والترجمة ـ سلسلة الجوائز العالمية» (القاهرة)، و«دار الكاتب العربي ـ سلسلة من الأدب العالمي ـ وسلسلة من الشرق والغرب» (القاهرة)، و«دار مجلة شعر» (بيروت)، ثم كانت الانطلاقة الأكبر في السبعينيات والثمانينيات، واذكر بعض الملامح:


· الهيئة المصرية العامة للكتاب (القاهرة): سلسلة «روايات عالمية»، بالإضافة إلى عشرات الروايات، ومثلها عشرات المجموعات القصصية، والأعمال الكاملة لديستويفسكي.


· وزارة الثقافة (دمشق): سلاسل «روايات عالمية» و«القصة العالمية»، بالإضافة إلى عشرات الروايات والمجموعات القصصية، والأعمال الكاملة لليو تولستوي.


· دار الآداب (بيروت): أصدرت مئات الروايات العالمية، من اليابان وفرنسا وأمريكا وغيرها.


· دار عويدات (بيروت): أصدرت عشرات الروايات الفرنسية.


· دار الهلال (القاهرة): تابعت سلسلة «روايات الهلال» نشر الروايات العالمية، وقد عدلت في سياسة النشر كثيراً، فنشرت روايات ومجموعات قصصية هامة وجادة.


· دار النهار (بيروت): نشرت بعض الروايات العالمية، ومنها «جناح السرطان» لسولجنتسين.


· مؤسسة الأبحاث العربية (بيروت): نشرت سلسلة «ذاكرة الشعوب»، وفيها أكثر من أربعين رواية عالمية مزودة بمقدمات نقدية شارحة، وبعض المجموعات القصصية. 


· دار الفارابي (بيروت) ودار العودة (بيروت) ودار ابن رشد (بيروت) ودار سعاد الصباح (الكويت)، وعشرات دور النشر المماثلة: نشرت عشرات الروايات والمجموعات القصصية.


· دار التقدم ودار رادوغا (موسكو): نشرتا مئات الروايات والمجموعات القصصية الروسية والسوفييتية، والأعمال الكاملة أو شبه الكاملة لبعض القصاصين والروائيين مثل انطون تشيخوف وديستويفسكي وتورجينيف ومكسيم غوركي.


· المكتب الإعلامي البلغاري (دمشق): نشر عشرات الروايات والمجموعات القصصية البلغارية لدى دور نشر صغيرة بدمشق.. الخ.


وتحتاج حركة نشر القصة والرواية المترجمة إلى دراسة خاصة للتعرف النوعي والكمي والأسلوبي والفكري لاستقبالهما في الوطن العربي، استمراراً لما فعله عبده عبود (سورية) في دراساته المتعددة لاستقبال الرواية الألمانية في الثقافة العربية، كما في كتابيه: «الرواية الألمانية الحديثة: دراسة استقبالية مقارنة» (1993) و«هجرة النصوص: دراسات في الترجمة الأدبية والتبادل الثقافي» (1995).


1-2- ترجمة نقد القصة والرواية:


نشطت ترجمة نقد القصة والرواية أيضاً، فظهرت عشرات الكتب المترجمة للمنظرين والنقاد والباحثين أمثال جورج لوكاتش، وبيرسي لبوك، وايان واط وارنولد كيتل، وروجر ألن، وفرانك كيرمود، وجان ايف تادييه، وجان ريكاردو، ومارت روبير، ويانكولافرين، وريتشارد فريبورن، وللروائيين والقصاصين أمثال انييس نن وآلان روب جرييه وميشيل بوتور وغابرييل غارسيا ماركيز ونغوجي واثيونغو.


مثلما ترجمت عشرات الكتب عن روائيين وقصاصين ومنهم أمثال ديستويفسكي (ظهرت عنه أكثر من خمس كتب مترجمة) وتولستوي وبلزاك ومارسيل بروست واندريه مالرو وتشيخوف.


ويلاحظ، أن الكتب المترجمة اتجهت إلى الموضوعات التالية([4]):


1- الرواية الإنجليزية.


2- الرواية الفرنسية.


3- الرواية في أوروبا.


4- القصة في أوروبا.


5- القصة والرواية الروسية.


6- القصة في أوروبا.


7- الرواية الجديدة الفرنسية.


8- الرواية والقصة في أمريكا اللاتينية.


9- القصة والرواية العربية، أي ما كتبه المستشرقون والأجانب عن القصة والرواية العربية.


10- القصة والرواية في اليابان.


2- الروافد الأكاديمية:


مارست الروافد الأكاديمية من خريجي الجامعات والمعاهد العليا بأطروحاتها العلمية تأثيراً متزايداً في تنمية نقد القصة والرواية، وفي إشباع البحث العلمي بالمنهجية المعرفية الحديثة. إن نظرة إلى حجم الأطروحات والرسائل الجامعية في الدراسات الروائية والقصصية في فترة البحث قياساً إلى الفترة ما قبلها يوضح حركة حركة النقد القصصي والروائي، ففي دراسة لمختار بوعناني (الجزائر) عن «بيبلوغرافيا الرسائل الجامعية في الدراسات الروائية» (تجليات الحداثة 1994) بين أن عدد الأطروحات بلغ اثنتين وعشرين أطروحة في مختلف الجامعات العربية والأجنبية حتى عام 1970، بينما نوقشت أكثر من مائة وخمسين أطروحة فيما بين عامي 1970 و 1984، بعد استدراكي لبعض الأطروحات التي غفل عنها الثبت، وقدم عدد مماثل من الأطروحات حول القصة القصيرة. ويلاحظ أن اهتمامات الأطروحات وفق التالي:


اهتمامات بالطفل: 3 أطروحات.


اهتمامات بالمرأة: 8 أطروحات.


اهتمامات بالمجتمع: 10 أطروحات.


اهتمامات بالأرض: أطروحتان.


اهتمامات بالشخصية الروائية: 9 أطروحات.


اهتمامات بالاتجاهات الروائية: 16 أطروحة.


اهتمامات بالأثر الروائي والتطور الاجتماعي: 7 أطروحات.


اهتمامات بالمؤثرات الأجنبية: 5 أطروحات.


اهتمامات بالدراسة المقارنة: 3 أطروحات.


اهتمامات بالصورة من خلال الرواية: 7 أطروحات.


اهتمامات بالبناء الروائي: 21 أطروحة.


اهتمامات بالقضية الجزائرية: أطروحتان.


اهتمامات بالرواية المكتوبة بالفرنسية: 3 أطروحات.


اهتمامات لها صلة بفن الرواية: 6 أطروحات.


اهتمامات بالبطل الروائي: 7 أطروحات.


اهتمامات بالتطور الروائي: 3 أطروحات.


اهتمامات بالرواية التاريخية: 7 أطروحات.


اهتمامات بالرواية والروائي: 13 أطروحة.


اهتمامات بالرواية الخاصة ببلد عربي: 5 أطروحات.


اهتمامات بالمكان والزمان: 5 أطروحات.


اهتمامات بالتأثر والتأثير وبالصراع بين الرواية العربيةوالرواية الغربية: 3 أطروحات.


اهتمامات بقراءة الرواية: أطروحتان.


اهتمامات بالخطاب الروائي: 5 أطروحات.


اهتمامات بالرواية الجديدة: 10 أطروحات.


ولو تأملنا هذه الاهتمامات لوجدنا أن العناية بالفن وقضاياه تفوق العناية بالموضوعات وقضاياها، واذكر ملمحين لذلك، فقد كانت دراسات الرواية التاريخية، باستثناء دراستين، قد نوقشت في الجامعات قبل عام 1970:


· روايات جرجي زيدان التاريخية ودورها في الرواية المصرية ـ همداني علي ـ جامعة القاهرة 1961 (ماجستير).


· الرواية التاريخية في الصحف المصرية ـ محمود الشريف ـ جامعة القاهرة 1969 ـ (ماجستير).


· الرواية التاريخية في الأدب ـ عبد الرحمن أبو علي 1968 (دكتوراه).


· الرواية وتطورها في الأدب العربي الحديث في مصر 1891-1939 ـ محمود الشريف (ماجستير).


· الرواية التاريخية في الأدب العربي الحديث ـ منصور إبراهيم الحازمي ـ جامعة لندن 1966 (دكتوراه).


· الرواية التاريخية عند جورجي زيدان ـ حسين التلباني ـ جامعة الجزائر 1983 ـ (دكتوراه).


· الرواية التاريخية في الأدب العربي في سورية ـ عبد الرحمن برمو ـ معهد الاستشراق ـ بموسكو 1993.


أما الملمح الثاني فهو أن دراسات الخطاب الروائي، على سبيل المثال، جرت في التسعينيات:


· مكونات الخطاب الروائي في «شكاوى المصري الفصيح» ليوسف القعيد ـ إلهام الإدريسي القاسمي ـ جامعة محمد الخامس ـ الرباط 1991 (ماجستير).


· مكونات الخطاب الروائي ـ فاطمة بنطاتي ـ جامعة محمد الخامس ـ الرباط 1991 (ماجستير).


· خطابات المستنسخ في الرواية العربية: نموذج حليم بركات ـ أحمد حفيظ ـ جامعة محمد الخامس ـ الرباط ـ 1991 (ماجستير).


· الخطاب الروائي: نشأته وتطوره في الأدب العربي الحديث 1834-1980 ـ جامعة محمد الخامس ـ الرباط ـ 1991 (ماجستير).


· بحث في الأنساق الخطابية للواقعي والتخييلي في الخطاب الروائي العربي من خلال: الوجوه البيضاء. بدر زمانه. مالك الحزين. عبد الفتاح الحجمري ـ جامعة محمد الخامس ـ الرباط ـ 1991 (ماجستير)([5]).


ولعلنا نذكر قائمة تفصيلية للأطروحات (الماجستير والدكتوراه) التي قدمت في جامعة حلب وحدها، على سبيل تدعيم القول في مدى تأثير الروافد العلمية في الاتجاهات الجديدة لنقد القصة والرواية، وتوكيد أن هذا الثبت غير دقيق في الوقت نفسه:


الباحث
الموضوع
عام المنح


محمد حسن عبدالمحسن
الأدب الشعبي في موسوعة حلب للأسدي
1983


محمد الصالح محفوظ
البطل في القصة القصيرة الجزائرية
1987


عبدالناصر مباركية
الثورة التحريرية في الأدب القصصي الجزائري
1987


عبدالله تزروتي
المرأة في روايات نجيب محفوظ
1987


عبدالله بن قرين
اتجاهات النقد الأدبي الحديث في الجزائر
1987


حسين محمد قحام
صورة الأرض في الأدب القصصي العربي في الجزائر
1987


إالهام طه نجار
المنهج الواقعي في النقد الأدبي في سورية ولبنان
1987


محمد علي يحيى
القصة القصيرة في اليمن 1939-1980
1989


سهام عبدالقادر ناصر
نقد القصة القصيرة في سورية من نشوئه إلى عام 1985
1990


أحمد عبدالرحيم الحسن
دراسة في نقد الرواية السورية من 1930 إلى 1985
1990


أمية ترمانيني
المرأة وصورتها في الأدب الروائي السوري إلى 1967
1990


خالد أعرج
المؤشرات البنيوية في النقد العربي في سورية ولبنان
1991


يوسف اسماعيل
النزوع الوطني في سيرة الأميرة ذات الهمة
1991


مرشد أحمد
جماليات المكان في روايات عبدالرحمن منيف
1992


محمد عادل حمادة عرب
المعالجة الفنية للتاريخ في الرواية السورية حتى عام 1961
1992


نضال الصالح
الأرض في الرواية العربية الفلسطينية 


من 1965 إلى 1982
1992


محمد رياض وتار
شخصية المثقف في الرواية العربية السورية 


من 1967 إلى 1990
1996


خالد أعرج
النقد العربي المعاصر في مصر والمشرق العربي
1999


سهام ناصر
المصطلح النقدي وعلاقته بالتيارات الأدبية والاجتماعية
1999




ويستفاد من هذه المقارنة تعاظم النقد القصصي والروائي المستند إلى الاتجاهات الجديدة في فترة البحث بتأثير الروافد العلمية لحركة النقد والبحث الأدبي بنهاجيات علمية حديثة.




--------------------------------------------------------------------------------


[1]. عدة مؤلفين: «دراسات عن واقع الترجمة في الوطن العربي» (جزءان) ـ المنظمة العربية للتربية والثقافة والعلوم ـ تونس 1985 ـ ج2 ـ ص272.


[2]. الخطيب، حسام: «سبل المؤثرات الأجنبية» ـ مصدر سابق ـ ص44.


[3]. أشارت سامية أسعد إلى شيوع مثل هذه الشروط وتمثل المترجمين لها، وهي: 1- معرفة اللغة الأجنبية، 2- معرفة اللغة التي يترجم إليها النص، 3- القدرة على التحليل والإدراك الأدبي، 4- رؤية النص من الداخل.


انظر بحثها «ترجمة النص الأدبي» في «عالم الفكر» (الكويت) المجلد 19 ـ العدد 4 ـ يناير ـ فبراير ـ مارس 1989 ـ ص24. 


[4]. في إحصاء أولي تقريبي زاد عدد الكتب النقدية المترجمة عن الرواية والقصة عن تسعين كتاباً.


[5]. بو عناني، مختار: «بيبلوغرافيا الرسائل الجامعية في الدراسات الروائية» في مجلة «تجليات الحداثة» (وهران) ـ العدد الثالث ـ يونيو 1994 ـ ص ص204-220.


ويلاحظ أن حركة تعريب الكتب الأجنبية عن القصة والرواية العربية بازدياد خلال فترة البحث، مما يدل على المكانة التي بدأت تتبؤأها في إطار عالمية القصة والرواية، وأذكر بعض هذه الكتب: 


- الن، روجر: «الرواية العربية ـ مقدمة نقدية» (ترجمة حصة منيف) ـ المؤسسة العربية للدراسات والنشر ـ بيروت 1988.


- كربوشويك، ب. م: «الإبداع القصصي عند يوسف ادريس» (ترجمة وتقديم رفعت سلام) ـ دار سعاد الصباح ـ الكويت 1993.


- عدة مؤلفين: «الإبداع الروائي اليوم» (ترجمة ابراهيم العريس) ـ (وهو عن أعمال لقاء الروائيين العرب والفرنسيين في معهد العالم العربي بباريس 1988) ـ دار الحوار ـ اللاذقية 1994.


- ستاغ، مارينا: «حدود حرية التعبير: تجربة كتاب القصة والرواية في مصر في عهدي عبد الناصر والسادات» (ترجمة طلعت الشايب) ـ دار شرقيات ـ القاهرة 1995.


- براجوكينا، سفتيلانا: «حدود العصور، حدود الثقافات: دراسة في الأدب المغربي المكتوب بالفرنسية» (ترجمة ممدوح أبو الوي وراتب سكر) - اتحاد الكتاب العرب - دمشق 1995.


وميزة الكتاب الأخير أنه نظرة منصفة لتطور الأدب المغربي المكتوب باللغة الفرنسية ورحلته من أدب استعماري إلى أدب قومي استهداءً بانفتاحات النقد الماركسي في فهم النظرية الأدبية للعلاقة المتبادلة بين الفن والواقع.

يتبع ...
توقيع : بوح القلم

الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل


عضو vip

عضو vip
معلومات إضافية
 احترامه لقوانين المنتدى احترامه لقوانين المنتدى :
الدولة الدولة : المغرب
الجنس الجنس : ذكر
عدد المساهمات عدد المساهمات : 1546
نقاط العضو نقاط العضو : 36
تاريخ التسجيل تاريخ التسجيل : 06/03/2015
العمر العمر : 19

معاينة صفحة البيانات الشخصي للعضو
مُساهمةموضوع: رد: النقاد يتحدثون ، العوامل المؤثرة في تكوين الاتجاهات الجديدة لنقد القصة والرواية   الخميس 17 ديسمبر - 19:26

العوامل المؤثرة في تكوين الاتجاهات الجديدة
لنقد القصة والرواية
(02)
تطور العلوم والمنهاجيات المعرفية
:


ثمة علاقة ظاهرة للعلوم وتكنولوجيا المعلومات بالأدب، وقد اخترت جانبين لهذه الظاهرة، الأولى هي تأثير العلوم والعلم، والثانية هي تأثير تكنولوجيا المعلومات:‏ 


3-1- تأثير العلوم والعلم:‏ 


عولج تأثير العلوم والعلم على الأدب والنقد في عدة مصنفات ترجمت إلى العربية خلال العقدين الأخيرين، مثل: «على مشارف القرن الواحد والعشرين: الثورة التكنولوجية والأدب» (بالروسية 1984) لفالنتينا ايفاشيفا(1)، بترجمة فخري لبيب (مصر)، و«الفن في عصر العلم» (بالروسية 1978) لأرسيني غوليكا(2)، بترجمة جابر أبي جابر ومراجعة شوكت يوسف (سورية)، و«النقد الأدبي الحديث بين الأسطورة والعلم» (1988) لعدة مؤلفين(3)، بترجمة محي الدين صبحي (سورية).‏ 


وكانت هذه المعالجات عامة لمفاهيم التقدم والنمذجة والجمالية والأخلاق في استخدام العلوم والعلم في الأدب، ولتقصي آفاق العلم في الفن والأدب، فدرس غوليكا، على سبيل المثال، التقدم في الفن وجمالية الكشف العلمي وموقف الفن من العلم والأخلاق، ووصف المؤلف عمله بأنه «دراسة معضلة وشاملة، لتفاعل الفن مع التقدم العاصف للمعرفة العلمية، إذ يتميز الفن بقدرته على استباق الزمن في تصويره للواقع، وهذه الصفة بارومتر المناخ الروحي. فالفنان لا يرى فحسب، بل ويتنبأ، وحين تكون ظواهر الحياة في بداية تشكلها، يتفاعل حدس الفنان مع النتائج المحتملة. إن الفن في عصر الثورة العلمية التقنية هو فن القرن العشرين الذين يشارف على نهايته، وقد حان الوقت لاستخلاص بعض النتائج التمهيدية في ضوء سيرة الفن السالفة»(4).‏ 


ولا يختلف اثنان على التأثير العميق للعلم على الأدب، كأن تكون فكرة الفن أسلوباً في المعرفة، أو أن تكون الرواية بحثاً كما عند ميشيل بوتور وروائيي الرواية الجديدة، أو أن تكون الرواية سجلاً للواقع والمجتمع كما في الرواية التاريخية والإنسيابية، أو أن تكون الرواية تفسيراً للسلوك الإنساني والنفسي، أو أن تكون الرواية أو القصة وثيقة تاريخية، أو أن تصاغ الرواية أو القصة وفق النظرة النسبية، وقد مارسها عدد من روائيي العصر ممن كان لهم تأثيرهم البالغ على الرواية العربية ونقدها، وأخص بالذكر وليام فولكنر ولورنس داريل، ولا سيما روايتيهما «الصخب والعنف The Sound and the Fury» (ترجمها جبرا إبراهيم جبرا إلى العربية عام1961)، و«رباعية الإسكندرية Al-Exandrian Quartrian» (ترجمت الجزأين الأول والثاني ـ سلمى الخضراء الجيوسي عام 1962، ثم ظهرت الأجزاء الأربعة عام 1993 من قبل مترجم آخر).‏ 


ويؤكد عدد من نقاد داريل، على سبيل المثال، أن اكتمال فهمنا لمؤلف «رباعية الإسكندرية» غير ميسور ما لم نحط علماً بنظرية النسبية التي يدعو إليها، ويطبقها في أدبه. ويستمد داريل هذه النظرية من نظريات اينشتاين في الرياضة. ويشرح لنا هذا الكاتب نظريته الأدبية في النسبية التي يسميها «استمرار الزمان والمكان». ويضيف رمسيس عوض في كتابه «دراسات تمهيدية في الرواية الإنجليزية المعاصرة» (1971)، أن ديرل دافع عن نفسه بقوله: إنه أراد بكل بساطة أن يقوم بأداء بعض الألعاب الشعرية على فكرة نسبية الزمان والمكان بوصفها إحدى الأفكار الكونية الهامة في العصر الحديث. ويقول ديرل: إنه يعبر في رباعيته عن هذه النسبية، وإنه يتوسل إلى ذلك بالشخصيات، بدلاً من الأرقام التي يستخدمها علماء الرياضة(5).‏ 


3-2- تأثير تكنولوجيا المعلومات:‏ 


أوردت فالنتينا ايفاشيفا في كتابها المذكور شهادات عدد من الأدباء عن تأثير التكنولوجيا على الأدب، ففي نهايات الستينيات، عبر البرتو مورافيا عن حنقه من أن الأدب سيصبح أكثر فأكثر وثيقة أو سجلاً، وأن الرواية الخيالية ستختفي تدريجياً، وأن العنصر الروائي الخيالي سيجتث، أو على الأقل، سيختزل لحده الأدنى، ولخصت الباحثة السوفييتية أثر التكنولوجيا الحديثة على الأدب في ثلاثة توجهات رئيسة: توجه الأدب والدراما نحو الوثائقية، ورواج روايات الخيال العلمي، وميل الأدب إلى الفلسفة(6).‏ 


والتفت النقاد إلى تعاظم هذا الأثر على الأدب، فترجم أحمد المديني (المغرب) بحث كربال سبينغ «التكنولوجيا والرواية» (الثقافة الأجنبية (1984). غير أن النقاش الأهم لهذا الأثر ومداه في الأدب العربي الحديث، قام به نبيل علي (مصر) في مقالته «ذات صنع الله إبراهيم من منظور معلوماتي» (إبداع 1992)، وكتابه «العرب وعصر المعلومات» (1994)، فقد خص هذه القضية بفصل مطول في كتابه، واستنتج فيه الخلاصات التالية:‏ 


- بروز الوثائقية كإحدى ظواهر أثر التكنولوجيا الحديثة على الأدب.‏ 


- فقر الأدب العربي بأدب الخيال العلمي، لأن معظم كتابه من العلماء خاصة، ويفتقدهم الأدب العربي الحديث.‏ 


- الكتابة الروائية في نظر أهل الذكاء الاصطناعي نوع من توليد النصوص text Generation، وهم قانعون، على الأقل حالياً ـ بأن تكون حدود مغامراتهم في مجال الإنتاج، لا الابتكار، ولكن لا يفوتهم أن يذكرونا بأن معظم الروايات الاستهلاكية، بل ومنها تلك الأكثر رواجاً، تندرج تحت فصيلة الإنتاج، لذا فلا يقلل من طموح الآلة في رأيهم أن تحذو حذوها.‏ 


- إمكانية إنتاج قصص عبر النظم الآلية: صانع الحبكة Plot Maker، صانع عالم الرواية World Maker، محاكي الأحداث Events Simulator، ناظم السرد Narrator، مولد النص Text Generator.‏ 


- تصاعد الاتجاه نحو التركيز على دراسة «أدبية» النصوص من داخلها، وتشترك نظرية الأدب والذكاء الاصطناعي في العديد من الأسئلة المتعلقة بطبيعة المعنى والفهم(7).‏ 


4- وسائل الاتصال وثورة المعلومات:‏ 


4-1 وسائل الاتصال والرواية الاستهلاكية:‏ 


إن التطور الهائل في وسائل الاتصال وثورة المعلومات قد أثر في الإبداع العربي برمته، ولا سيما الرواية ونقدها، فطالت التبدلات العميقة التعبير الروائي والقصصي ونقدهما، وهي تبدلات عنيفة لا سبيل إلى الفكاك منها، لأنها مست الثقافة العالمية، وآدابها في الجوهر وفي الشكل. والتمس لملاحظة مثل هذه التبدلات مثالين هما الرواية الاستهلاكية للتعرف إلى تأثير وسائل الاتصال، واللغة العربية للتعرف إلى تأثير ثورة المعلومات.‏ 


لم تصل موجة الروايات الاستهلاكية إلى السوق الأدبية العربية إلا متأخرة على استحياء وظهرت بوادرها في الثمانينيات في الكتابة لوسائل الاتصال بالجماهير كالصحافة والإذاعة والتلفاز والسينما، ويدل هذا التوصيف الواقعي والتاريخي على أن الكتابة الروائية العربية ما تزال بعيدة عن ضغوط السوق التجارية، أن ثمة شروطاً يفرضها الآن منتج البرامج والأشرطة التلفزيونية والسينمائية أو ممول المسرح أو ناشر الجريدة أو المجلة لقبول إعادة إنتاج الأدب عبر هذه الوسائل وقنوات الاتصال، ومما يؤيد مثل هذا الرأي أن بعضاً من أهم الروائيين العرب ما زالوا بعيدين عن قوانين السوق التجارية، فلم تتأثر جماليات الرواية عندهم بمعطيات التغيير الثقافي الكلي كما هو الحال في أوروبا وأمريكا، ونذكر منهم عبد الرحمن منيف وجبرا إبراهيم جبرا وغالب هلسا وادوار الخراط وعبد السلام العجيلي والياس الديري ومحمد الصالح الجابري وعبد الرحمن مجيد الربيعي ونبيل سليمان، وإنما بدأت تداخل أساليبهم أنواع من الاهتمام بتأثير وسائل الاتصال.‏ 


ويقودنا مثل هذا الاستنتاج إلى أن إسهام الروائي العربي أكبر في تحديد جماليات روايته، وأن هذا الإسهام أكبر بعد ذلك في تثمير أدوار الأديب في عمليات التفكير الثقافي العاصفة في حياتنا. على أننا سنذكر إشارات أخرى حول موجة الرواية الاستهلاكية بالنظر إلى تأثير التغير الثقافي في صياغة معايير الرواية وتوجيه جمالياتها ونقدها في الوقت نفسه من أجل قرائن أكثر مع جماليات الرواية العربية وانبثاقها من عمليات التغير الثقافي الواسعة والعميقة منذ الخمسينيات، وما يستدعيه من حساسية نقدية جديدة.‏ 


كيف تنتشر الرواية الاستهلاكية؟ وما هي محاولات ترويجها باللغة العربية؟.‏ 


لاحظنا أن الرواية الاستهلاكية العالمية، وهذه هي حدود نشأتها، قد ترافقت مع نمو الحس الاستهلاكي فيما سمي ملء أوقات الفراغ بادئ الأمر، والاندراج في التسلية التي شرع المشتغلون بعمليات الاتصال يحسبون لها حساباً في برامجهم لكسب الجمهور، ثم شهدت فترة ما بعد الحرب العالمية الأولى حمى محاولات كسب الجمهور عن طريق وسائل الاتصال، ولاسيما فنون الصوت والصورة المكتشفة آنذاك من جهة، وفنون الصحافة الراسخة من جهة أخرى، فتطورت الكتابة الروائية في منحى الاستهلاك الذي يراد منه التسلية وتزجية أوقات الفراغ بالدرجة الأولى إلى إدخال الرواية والقصص بشكل عام في دائرة تزييف الوعي، أي تفريغ هذا الجنس الأدبي من الفكر والتاريخ والمجتمع خلل صياغة كتابات روائية وقصصية خاضعة لتصنيفات موصوفة مسبقاً لا تبتعد عن إدهاش السرد والمقدرة الحكائية الجذابة التي يقدم من خلالهما أو بوساطتهما حبكات مدروسة بعناية بما يجعلها نفورة من الهموم أو الاهتمامات الجدية، وقد تصدر هذا التصنيف مجموعة من التوابل أولها التركيز على العواطف المنفصلة غالباً عن جذرها الاجتماعي والنفسي، فيجري الولع بالأفعال العاطفية وردودها ضمن آليات رتيبة متوقعة، مثلما يحرص كّتاب هذه القصص والروايات على أن تدور الأحداث والوقائع، إن وجدت وقائع، لأن الوقائع مما ينتمي إلى التاريخ، في بيئات ثرية لا يعاني أفرادها الفاقة أو البؤس أو الحرمان، اللهم إلا الحرمان من فقدان التوافق في الحب.‏ 


وثمة خصائص أخرى نذكر منها تجميل الواقع من أجل قبوله، ووضع المتلقي في بهرج التعلق بنمط الحياة الذي تعرضه هذه الكتابات الروائية والقصصية، وغالباً ما يسمون هذا التعليق بأنه أحلام، فالمرء قادر بتقديرهم، على تغيير وضعه، واللحاق بهذا النمط، والذين تابعوا الأفلام «الهوليودية» في الثلاثينيات والأربعينيات والخمسينيات يدركون ذلك الحرص على ترويج هذه الخصائص ولوازمها مثل الرجال الوسيمين الجذابين، والنساء الساحرات، والطبيعة الخلابة، والطابع السياحي الجميل للأماكن الباذخة. والشعور بالوفرة إلى حد التخمة غالباً، والحرية المطلقة بعيداً عن قيود المجتمع والأسرة والدين والالتزامات الأخرى.. الخ، ولقد عاشت السينما المصرية على تقليد هذه الأفلام إلى وقت قريب اقتباساً أو تعريباً بشكل من الأشكال، ومع طغيان الأنماط الاستهلاكية على الحياة العربية مع مطلع السبعينيات بدأ تيار الرواية الاستهلاكية العربية يتشكل إثر هجمة التلفزيون على مختلف أجهزة الثقافة والإعلام واكتساحه لفنون الاتصال الأخرى، ولا سيما السينما والمسرح.‏ 


ثم تفاقمت هيمنة التلفزيون مع استتباب التبعية للغرب الذي بات متحكماً بالخبر والصورة معاً، ومحتكراً لصناعتهما عبر الشركات الاحتكارية الكبرى المشهورة إلى جانب وكالات الأنباء المصورة وسواها. ومن أمثلة المسلسلات التلفزيونية الرائجة والمنتشرة في الوطن العربي كله «دالاس» و«داينتسي» و«سفينة الحب» و«سانتينال»، بالإضافة إلى مئات البرامج والمسلسلات المأخوذة عن الروايات المعروفة باسم «الأكثر رواجاً» أو «بست سيللر Best Seller».‏ 


بدأ إقبال الروائيين والقصاصين العرب على الكتابة لوسائل الاتصال بالجماهير على استحياء غير أن الهبّة النفطية، وانتشار محاولات توظيف رأس المال العربي ولا سيما النفطي في مراكز البحوث والمشروعات الإعلامية، ودخول مخاطبة الإنسان العربي، ولا سيما بعض الجماهير الخاصة مثل النساء والأطفال والفتيان في برامج الدوائر الإعلامية الأجنبية، قد جعل غالبية الروائيين والقصاصين في تطلع مستمر لتوظيف إنتاجهم في آلة التلفزيون وبقية وسائل الاتصال الأخرى، وفي سورية، على سبيل المثال، يندر أن نجد روائياً أو قاصاً معتبراً لم يكتب المسلسلات التلفزيونية، أو أن يخضع فنه الروائي والقصصي لحاجات الوسائل الإعلامية مثل هاني الراهب وعلي عقلة عرسان وخيري الذهبي وعبد الكريم ناصيف ودياب عيد وحنا مينة وألفت الإدلبي وناديا خوست وعبد النبي حجازي وغيرهم، بل أننا، وضمن دراسة متقصية، نلمس حساب هذه الوسائل الاتصالية كالتلفزيون والسينما في تفكير الروائي والقاص الأدبي ذاته، فتأثرات جماليات الرواية والقصة بشروط هذه الوسائل، أي أن الكاتب صار معنياً بقابليات ظهور روايته أو قصته في مسلسل تلفزيوني أو فيلم سينمائي أو مسلسل إذاعي قبل مراعاته لصدورها في كتاب!(8)‏ 


ومن المفيد أن نشير إلى روائيين وقصاصين رائجين من كتاب الرواية الاستهلاكية في سورية أيضاً، نذكر محمد حسين شرف ووفاء حمارنة. وقد يستغرب المرء غزارة إنتاج هذين الكاتبين وسرعة انتشار رواياتهم وقصصهم حتى إن بعض رواياتهم طبعت طبعتين أو ثلاث طبعات خلال عشر سنوات، أما الروايات والقصص التي لم يعد طبعها فقد نفذت طبعتها خلال أقل من عامين، ولو استعرضنا عنوانات رواياتهما وقصصهما وموضوعاتها، لوجدنا إلحاحاً على تعابير الحب والمرأة والعبارات الوجدانية الموحية أو الغامضة من جهة، وموضوعات الميوعة العاطفية وطوابع المشجاة (الميلودراما) من جهة أخرى. فقد نشر محمد حسين شرف خلال السبعينيات والثمانينيات أكثر من عشر روايات نذكر منها: «قمر الغرباء» (1970). و«فينوس» (1973)، و«همس الغروب» (1976)، و«ملح على جرح» (1978)، و«دستور الحب» (1980)، و«الغزل عطر النساء» (1985)، و«هؤلاء الأوغاد» (1986)، و«تنهدات العذارى» (1987)، و«لابد من المرأة» (1991).‏ 


أما وفاء حمارنة فقد نشرت خلال الثمانينيات أكثر من خمس روايات نذكر منها: «خواطر عن الحب والحياة» و«مملكة الحب الدامية» و«موعد مع السعادة» و«صراع مع النساء» (ولم نذكر تاريخ الطبعات، لأنه غالباً غير مذكور).‏ 


ويبدو أن موجة الرواية الاستهلاكية تحتاج إلى تعديل في خطط النشر، تأليفاً وتعريباً وطباعة وتنويعاً، وهذا ما يفسر تعدد السلاسل والحرص على ابتكار أساليب جديدة للمخاطبة لتحقق أهدافها كاملة، لأن القيمين عليها غالباً ما يجرون دراسات وبحوثاً مطولة تسبق إصدارها، أو في أثناء إصدارها، فقد أجريت استطلاعات رأي بين الشباب العربي، ولا سيما الفتيات والنساء لمعرفة مدى تقبل هذا النوع من الرواية. ولزيادة التأثير، فقد رأى القيمون على «سلسلة عبير» إصدار سلسلة «روايات عبير العربية»، فطلب إلى العديد من الكتاب والروائيين العرب إنتاج روايات تناسب هذه الموضوعات، فبادر عدد منهم إلى الكتابة بأسمائهم الصريحة أو المستعارة، وقد صدرت بعض الروايات، ولكن المشروع أخفق، لأن قارئات «عبير» و«قلوب عبير» وقراءها مشدودون إلى أرض الأحلام أو الأوهام، لا فرق، وليس إلى واقعهم الذي يدركون أنه لا ينبت الأحلام، ولا تكتمل فيه صياغة الأوهام، فالتفتوا عن المخاطبة العربية مكتفين بالترجمة، أو الاقتباس، أو الاختصار أو الهزال، لأنها الأقرب للرواج والربح السريع.‏ 


غير أن نمط الرواية الاستهلاكية، وهو لاشك، إفراز لنمط الحياة الاستهلاكية وأساسها تأثير وسائل الاتصال، قد انتشر في الحياة الثقافية العربية بأشكال متعددة. كان الروائي أو القاص العربي معزولاً عن وسائل الاتصال بالجماهير، أو «هوجة» مخاطبة الجماهير مباشرة، لأن وسائل الاتصال بالجماهير نفسها لم تكن لها مثل هذه السلطة المتفاقمة التي نراها عليها اليوم، ولأن الجماهير نفسها لم تكن موضع الحفاوة والتقدير والاهتمام التي يجري الحرص عليها اليوم، فأخلص الروائي أو القاص العربي من قبل لفنّه، واستغرق في صومعة أفكاره، ولعل تأمل رسائل توفيق الحكيم إلى زوج ابنه حتى مطلع الثمانينات تكشف عن العوز الذي واجهه مفكر وأديب وروائي ومسرحي عربي كبير(9). وثمة أنموذج آخر أكثر سطوعاً يتبدى في مسيرة نجيب محفوظ، فهو كتب حتى أواخر الستينيات الرواية بعيداً عن حسابات الإيصال الإعلامي، وغّلب في أدبه حاجات الفنّ والفكر على شهوة الانتشار، وإن خصّ السينما بوصفها فناً رائجاً بقصص كثيرة مكتوبة خصيصاً لهذا الفن الجماهيري الواسع الانتشار، فلم يثنه عمله أو كتابته لوسائل الاتصال عن سعيه الأصيل لإنجاز فنه الروائي العظيم، فميّز بين الرواية ومثل هذه الكتابة. وثمة كثيرون، كما أشرت، لا يعرفون أن نجيب محفوظ كتب عشرات الأفلام أو الأعمال الإذاعية لهذه القنوات مباشرة، وما تزال هذه الأعمال مخصوصة بما كتبت له، ولم تظهر نصوصها في كتب.‏ 


وظل هذا الوضع سارياً حتى مطلع السبعينيات حين صارت بعض روايات نجيب محفوظ، بتأثير شهوة الانتشار وهيمنة الإعلام، قابلة بيسر للإندراج في طبيعة وسائل الاتصال بالجماهير، فخالط روايات كثيرة له شيء من لوازم الرواية الاستهلاكية، كغلبة الإخبار على السرد، أو العناية برسم الشخصيات على حساب الوصف أو التأملات الفكرية، أو صوغ الرواية برمتها بأسلوب «السيناريو»، أو اختزال الوقائع إلى تركيب مشهدية ما.. الخ، وهذا واضح في روايات كثيرة له مثل «حب تحت المطر» و«يوم قتل الزعيم» و«الحرافيش».‏ 


ونستطيع أن نجد روائيين وروايات عربية كثيرة، قد تأثرت بنيوياً وسردياً وهيكلياً بتقنيات الإيصال وشهوة مخاطبة أوسع الجماهير بدغدغة مشاعرهم، وطلب التواصل العاطفي أو الاندماجي في تلقيهم. وكان برع في ذلك من قبل روائيون كثر أمثال إحسان عبد القدوس ويوسف السباعي اللذين راجت أعمالهما منذ ما بعد الحرب العالمية الثانية حتى نهاية الستينيات على وجه الخصوص. لقد خاطبت رواياتهما العواطف والمشاعر إلى أبعد ما تفعله الاتجاهات الرومانسية الهادئة أو المغالية، وإلى أبعد ما تعتمله اتجاهات المشجاة (الميلودراما) المتطرفة، ونادراً ما عبرت هذه الأعمال عن الوجدان العام أو الضمير القومي أو الوعي بالتاريخ. وفي هذه الأيام بتأثير حاجات التلفزة والقنوات الفضائية يعاد إنتاج روايات إحسان عبد القدوس في مسلسلات وسهرات تلفزيونية مثل: «لا أكذب ولكني أتجمل»، و«لن أعيش في جلباب أبي».‏ 


من الواضح، أن الرواية الاستهلاكية تنتشر عربياً بتسارع متزايد، لأن المعرفة نفسها في تصارع متصاعد مع الإعلام، ولا يماري أحد أن الثقافة الرفيعة الحّقة هي اليوم أشبه باليتيم على مائدة «اللئيم» الذي هو «الإعلام». وليس تأثير الرواية الاستهلاكية في جماليات الرواية العربية هيناً خلال نصف قرن من الزمن، فهو يدخل في تفكير الروائي العربي، وفي بناه السردية، وفي نسيج حبكه، وفي تشكل صوغه الفني، وما يزال التصارع قائماً بين النزوع الاستهلاكي إلى منتهاه، ونزوع الجمالي إلى منتهاه. وثمة روائيون يمثلون هذا الفريق أو ذاك. ولكننا يندر أن نجد روائياً عربياً معتبراً بمنجاة من هذا التصارع، وهذا واضح في أعمال جبرا إبراهيم جبرا وحنا مينه ووليد إخلاصي ونبيل سليمان (سورية) وعبد الرحمن الربيعي (العراق) وبهاء طاهر وفتحي غانم (مصر) ومحمد صالح الجابري (تونس) وغيرهم.‏ 


وقد استدعى ذلك مواكبة نقدية تراعي طبيعة التغير الثقافي، ولاسيما تأثير وسائل الاتصال في الأدب والنقد.‏ 


4-2- اللغة العربية والمعلوماتية:‏ 


تبدلت النظرة إلى اللغة العربية تبدلاً كبيراً خلال العقدين الفائتين بتأثير ثورة المعلومات، بل جاوز التبدل إلى التأثير العميق في خصائص منظومة اللغة العربية وعلائقها الداخلية والتعبيرية والوظيفية في الكتابة الإبداعية الروائية والقصصية، وفي نقدها الذي مال إلى المناهج الحديثة وطرائقها البحثية، وقد ساهم التفجر المعلوماتي في تكونها من الحاسوب، إلى «المالتي ميديا»، إلى الأنترنت، وهي شبكة معلوماتية كونية ومحلية جعلت التواصل المعرفي ونهاجياته وتقاناته وإجراءاته مختلفة عما كانت عليه قبل هذين العقدين، وصار الحديث عن الكتاب الإلكتروني باستعمال الكتابة الحاسوبية وقابليات التأليف والتوثيق وثراء تعدد الوسائط، في متناول اليد، مما يتدخل إلى حدّ كبير في تنظيم عمل المخيلة الإبداعية، وفي انتظام منهجية محددة للعمل النقدي في آن واحد.‏ 


ويظهر هذا التبدل العميق في اللغة العربية في تأملنا لتطور استجابة اللغة العربية لهذا التفجر المعلوماتي، منذ الدورة السابقة لمؤتمر الوزراء المسؤولين عن الشؤون الثقافية في الوطن العربي (الرباط 1989)، فقد تفاقمت الحساسية العربية إزاء التحديات التي تواجه اللغة العربية، فحملت الدورة شعاراً شديد الدلالة هو «اللغة العربية هويتنا القومية».‏ 


قدم لهذه الدورة أكثر من عشرة بحوث لعدد من كبار الخبراء والاختصاصين أمثال شكري فيصل وتمام حسان وعلي الشابي وإبراهيم عبد الله رفيدة وجميل عيسى الملائكة والطيب البكوش وإبراهيم بن مراد ومحمد رشاد الحمزاوي ومحمد مصطفى بن الحاج وزكي الجابر، ومحمد السويسي ومحمد خليفة الدناع ويوسف الخليفة أبو بكر، وطبعت هذه الأبحاث في كتاب «من قضايا اللغة العربية المعاصرة» (1990).(10)‏ 


إن ثمة نظرة جديدة وتعاملاً جديداً للغة العربية في البحث العلمي، ومنه النقد، لابدّ من أخذهما بالحسبان، فقد توصل الباحثون العرب إلى نتائج هامة تتعلق بالمعالجة الآلية للبيانات العربية، منها:‏ 


- طرق تخزين البيانات واسترجاعها.‏ 


- المعاجم العربية لإصلاح التهجئة.‏ 


- برامج تدقيق الإملاء الصرفية والنحوية.‏ 


- المحلل الصرفي.‏ 


- برامج تحليل الإعراب النحوي.‏ 


- برامج التحليل الدلالي.‏ 


- برامج توليد الكلمة في اللغة العربية(11).‏ 


ثم صدر مؤلف من «قضايا فكرية» عن «لغتنا العربية في معركة الحضارة» (1997)، والبارز في مقالاته وأبحاثه المكتوبة بأقلام نخبة من المفكرين والعلماء والأدباء والنقاد، ثلاثة أمور، الأول توكيد منزلة اللغة العربية في تدعيم أبحاث الهوية، والثاني هو مقدرتها على التجدد والأصالة، وفي صلب ذلك مواجهتها للتحدي الاتصالي والمعلوماتي، والثالث هو استجابتها البطيئة والقاصرة والتخلف على الرغم مما تحقق لها من تجديد وتطوير وتطويع نسبي لمقتضيات العصر وحاجات التطور المجتمعي العربي بجوانبه الإبداعية والتنموية والإنتاجية جميعها.‏ 


وكانت شهادة خليل النعيمي (سورية)، وهو روائي وطبيب وجراح. درس الطب والفلسفة في جامعة دمشق، ويعمل حالياً في مستشفيات باريس، في منتهى الأهمية عن ثراء اللغة العربية واستجابتها الدائمة للتجدد والتأصيل، مما يفسر سيرورتها وبقاءها واحتضانها للغة العلوم والمعلوماتية:‏ 


«أما الصبغيات (الكروموزوم)، والمعلوماتية (الأنفورماتيك)، والعصب الودي (السمبتاوي)، والبطين (فالتريكول)، وهو بطين القلب التشريحي، والشغاف (بيريكارد) وهو الذي يحيط بالقلب، ويحميه، أي شيء أكثر تعبيراً عن هذه المهمة من الشغاف؟. ولابد أن كلمة الشغف، اشتقاقاتها جاءت من هذه الإحاطة الحميمة، وغير هذه من التعابير والكلمات المعربة التي درسناها في جامعة دمشق، وهي التي باستطاعتها أن تضفي بعداً جديداً على اللغة، وتعبر، في الوقت نفسه، عن طاقة هذه اللغة على التجدد والتطور»(12).‏ 


وتحدث النعيمي عن فضل اللغة عليه كاتباً وطبيباً جراحاً، لأن «اللغة بلا علم هي لغة خرساء»، ولأن التعريب ليس دائماً تخريباً، «إنه، على العكس سلاح إضافي بالنسبة للطبيب العربي مثلاً، و«لغة الدراسة ولغة الممارسة هي نفسها، وإذا ما قرر أن يتخصص، فإنه بالتأكيد سيكون قادراً على تخطي عوائق تعلم لغة جديدة»(13).‏ 


وتميز بحث نبيل علي (مصر) «نحو نظرة أشمل للغة»، في تصديه المبكر والدقيق للغة العربية والمعلوماتية، وهو صاحب أول مؤلفين باللغة العربية عن هذه القضية الشائكة والهامة: «اللغة العربية والحاسوب» (1988)، و«العرب وعصر المعلومات» (1994). وقد عالج علي اللغة ضمن المحاور التالية:‏ 


* الدور الأكثر خطورة الذي تلعبه اللغة في مجتمع المعلومات.‏ 


* الموقع الأكثر أهمية الذي تحتله اللغة حالياً على خريطة المعرفة الإنسانية.‏ 


* الإشكالية الأكثر تعقيداً التي تصاغ في قالبها قضية اللغة.‏ 


* التوجهات الأكثر تعدداً لتناول إشكالية اللغة وأمور معالجتها آلياً بواسطة الكمبيوتر(14).‏ 


لقد وضع نبيل علي الملح على الجرح، على أن السبيل متاح لمجاوزة الراهن غير المرضي، باللجوء إلى المجالات التالية:‏ 


* تكنولوجيا المعلومات كأداة للإحصاء اللغوي.‏ 


* استخدام تكنولوجيا المعلومات في معالجة الكتابة العربية.‏ 


* تكنولوجيا المعلومات كأداة للصرف العربي.‏ 


* تكنولوجياالمعلومات كأداة للنحو العربي.‏ 


* استخدام تكنولوجيا المعلومات في الفهم الأتوماتي للسياق اللغوي.‏ 


* تكنولوجيا المعلومات في تحليل النتاج الأدبي وأساليب الكتاب.‏ 


* تكنولوجيا المعلومات كأداة لمكننة المعجم العربي.‏ 


* تكنولوجيا المعلومات كأداة لدعم العمل المصطلحي.‏ 


* تكنولوجيا المعلومات في مجال الترجمة الآلية.‏ 


* توليد الكلام العربي وفهمه آلياً(15).‏ 


أجل، تبدلت النظرة إلى اللغة العربية وممارستها في المجالات كافة بتأثير ثورة المعلومات، ولم يكن الأدب والنقد الأدبي بمنجاة من ذلك.‏ 


5- تنامي أبحاث الهوية:‏ 


تفاقمت المخاطر المحدقة بالذات القومية أثر هزيمة 1967، مما دعا إلى أمرين متلازمين في الفكر العربي، الأول هو موجة نقد الذات، وأطلقه صادق جلال العظم (سورية) في كتابه الشهير «النقد الذاتي بعد الهزيمة» (1969)، والثاني تنامي أبحاث الهوية وعياً بالذات، وبالتاريخ العربي، وبالآخر الأجنبي، الذي صار إلى تأزم ضاغط على الوجدان المهيض، وكنت بينت في بحثي «أزمة الذات في الرواية العربية» (عالم الفكر 1996) أن الرواية هي الفن الحديث الأكثر تعبيراً عن تحديات الحداثة في المجتمع العربي، حتى صار الفن سجلاً دقيقاً للصراع الحضاري الذي تعرف فيه العرب إلى ذاتهم، وإذا كان الفكر العربي في عصر النهضة قد عكس ـ صراحة ـ تمع السلامةن الموقف من الهوية العربية الحضارية، وتصاعد مللاً واتجاهات وتيارات عصفت بالعرب، في محن الموقف من الخلافة، أو الصدام مع الغرب الاستعماري، أو امتحان الاستقلالات الوطنية وتعارض المشروع العربي مع المشروع الصهيوني بقيام الكيان الإسرائيلي في قلب الوطن العربي، وفي المحن المتتالية مع استقطاب العرب الدولي، عسكرياً وإيديولوجياً وسياسياً، فصار العرب أكثر من عرب، متوزعين على معسكرات خارجية، ومنقسمين على أنفسهم في تحالفات أو متاريس غذتها أوهام ومصالح لم تكن عربية في صميمها، وكانت الخلافات العربية ـ العربية التي تطورت إلى الاقتتالات العربية بين قطرين عربيين أو أكثر، أو بين فئات القطر العربي الواحد، في حروب أهلية، أو مسلسلات الإرهاب، والاغتيال على «الهوية»، ويا لها من هوية مغدورة‍! وكان العجز الصريح عن الوفاء لأهداف المشروع العربي في التوحيد والحرية والدمقرطة والعلم والعدالة والمساواة والتقدم الاجتماعي، وهي مجموعة قيم المجتمع المدني التي لا تزال جوهر التحدي الحضاري، وكانت الهزائم العربية المتتالية أمام «إسرائيل» والغرب الأوروبي والأمريكي، وانتعشت الدولة القطرية، واعترف العرب بعجزهم، وبالتباس مفهوم الهوية في ممارستهم السياسية، وصار ذلك واقعاً جديداً مع حرب الخليج الثانية التي وضعت الذات العربية في أزمة(16).‏ 


ناضل العرب طويلاً من أجل حريتهم إزاء الغرب الغازي، المحتل، المستعمر، في حركات الاستقلال التي استمرت منذ نهاية الحرب العالمية الأولى إلى نهاية الحرب العالمية الثانية في بعض الأقطار العربية، وإلى الخسمينيات والستينيات في أقطار أخرى مثل المغرب وتونس والجزائر واليمن الجنوبي. وعرفوا أثناء مقاومتهم المديدة للاستعمار الغربي أن عليهم أن يواجهوا أعداء في الداخل عششوا بتأثير قرون من استعمار مختلف هو الاحتلال العثماني، في ذلك الانحطاط الداخلي والتخلف المروع للعرب عن مستعمريهم الغربيين الجدد، وفي تلك المفارقة الفظيعة بين التقدم الأوروبي، والتخلف العربي، عولجت ثنائية التقدم والتخلف، وفي مقابلهما ثنائية التنمية والتبعية. ويطرح كتاب خالد زيادة (لبنان) «اكتشاف التقدم الأوروبي ـ دراسة في المؤثرات الأوروبية على العثمانيين في القرن الثامن عشر» (1981) السؤال الجوهري في سياقه التاريخي، ففي «نهاية القرن الثامن عشر والبدايات الأولى للقرن التاسع عشر، كان التقدم الأوروبي قد أحاط العالم الإسلامي برمته. فنشأ التفكير في هذا الإقليم أو ذاك بضرورة الأخذ بالتقنيات الحديثة، والتعرف إلى الأنظمة التي جعلت من الدول الأوروبية بلداناً متفوقة على غيرها من بلدان العالم. في هذا الإطار تكتسب التجربة العثمانية أهميتها الخاصة، لأن العثمانيين كانوا من أوائل الذين تنبهوا إلى التقدم الأوروبي، وعملوا على الاستفادة منه، ولأن الدولة العثمانية كانت لا تزال تمثل حتى ذلك الوقت الدولة الإسلامية الأقوى»(17).‏ 


وليس بمقدورنا أن نحصي المقالات والأبحاث التي تصدت لهذه الثنائية، ولكننا نتعمد الوقوف عند بعض الصوى للاسترشاد بسبل التصدي لها في الثقافة العربية الحديثة، وقد ارتفعت وتيرتها في فترة البحث، رفضاً للتبعية، ونشداناً للتنمية والتنمية المستقلة، على أن ذلك هو الطريق الصعبة القاسية التي ينبغي على العرب أن يسلكوها لمواجهة تلك المفارقة الفظيعة بين التقدم الأوروبي والتخلف العربي.‏ 


ولا شك في أن البحث في قضايا التبعية بدأ قبل ذلك بوقت، ولكنه لم يصبح ضاغطاً إلا في السبعينيات والثمانينيات، وكان كتاب عواطف عبد الرحمن (مصر) «قضايا التبعية الإعلامية والثقافية» (1984) ريادياً في بابه، متساوقاً مع هيمنة الإعلام على سلطة المعرفة، والاستخدامات السريعة والمباشرة لوسائله المختلفة في آليات التبعية الإعلامية والثقافية، فيما عرف بالغزو الثقافي. وقد أخذت هذه الآليات مفاهيم مختلفة ومتطورة مثل الاختراق والتغريب والتغطية، وبرز في هذا المجال إدوار سعيد (فلسطين) في كتبه الأساسية، فعرى الاستشراق بوصفه سلطة معرفية في خدمة الاستعمار في كتابه «الاستشراق» (1978)، وفضح التضليل الإعلامي الغربي ضد الإسلام في كتابه «تغطية الإسلام في وسائل الإعلام» (1981)، وكشف عن التواطؤ الكلي والتشابك الحميمي بين الإمبريالية والثقافة التي أنتجتها مجتمعاتها، وعن الأبعاد المقموعة للثورة ضد السيطرة الإمبريالية في جميع بقاع العالم غير الأوروبي، بتعبير كورنل ويست، في كتابه «الثقافة والإمبريالية Culture and Imperialism» (1993). ويخبرنا إدوار سعيد نفسه أن كتبه هذه تؤلف مشروعاً واحداً لوعي الواقع العربي والفلسطيني، ولتحقيق التقرير الذاتي للمصير. «إن تاريخ الإمبريالية ليعلمنا أنه ليس في وسع شيء سوى فكرة حقيقية للتحرير والمساواة أن يقاوم قوة الإمبريالية ويصدّها»(18).‏ 




يتبع ...
توقيع : بوح القلم

الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل


عضو vip

عضو vip
معلومات إضافية
 احترامه لقوانين المنتدى احترامه لقوانين المنتدى :
الدولة الدولة : المغرب
الجنس الجنس : ذكر
عدد المساهمات عدد المساهمات : 1546
نقاط العضو نقاط العضو : 36
تاريخ التسجيل تاريخ التسجيل : 06/03/2015
العمر العمر : 19

معاينة صفحة البيانات الشخصي للعضو
مُساهمةموضوع: رد: النقاد يتحدثون ، العوامل المؤثرة في تكوين الاتجاهات الجديدة لنقد القصة والرواية   الخميس 17 ديسمبر - 19:27

وقد شرع المفكرون والكتاب العرب في وعي مخاطر الغزو الثقافي منذ مطلع الثمانينيات، وكان الحدث الأكبر في هذا المجال هو انعقاد مؤتمر «مواجهة الغزو الثقافي الإمبريالي الصهيوني للأمة العربية» (تونس 29 آذار ـ 3 نيسان 1982)(19)، وشارك فيه عدد كبير من المفكرين والباحثين والمثقفين العرب من الأقطار العربية جميعها، وقدم إليه أكثر من ثمانين بحثاً في محاوره الخمسة: الخصائص القومية للشخصية الثقافية العربية، الغزو الثقافي الإمبريالي الصهيوني والاستلاب الفكري في الوطن العربي، الجذور التاريخية للغزو الثقافي، الغزو الثقافي الصهيوني للأمة العربية في الوقت الحاضر، مواجهة الغزو الثقافي في الوطن العربي. وسمي المؤتمر، بمؤتمر التحدي، وصدر عنه «إعلان تونس» الذي حمل خلاصة ما تزال صالحة للمواجهة.‏ 


وتوالت الكتب المؤلفة والمترجمة التي تتناول الغزو الثقافي والثقافة المقاومة، أشير إلى بعضها لفهم السياق الذي آل إلى معركة تالية هي معركة التطبيع، فقد جمع عزيز الحاج (العراق) بعض مقالاته في كتابه «الغزو الثقافي ومقاومته» (1983)، وهي مقالات تنصرف إلى معاينة ظاهرة الغزو الثقافي، وموضوع الهوية الثقافية، ومخاطر الهيمنة الثقافية الأمريكية المرتبطة بالتطور الرأسمالي المتصاعد، وأوجه نضالنا الثقافي ومهماته، وثمة مقالات أخرى عن مشكلات إعلامية واتصالية وثقافية واجتماعية أخرى. وعرّب غسان إدريس (سورية) كتاباً خطيراً هو «غزو العقول ـ جهاز التصدير الثقافي الأمريكي إلى العالم الثالث» (1985)(20) لمؤلفه إيف أود. لفت هذا الكتاب النظر إلى الهيمنة الأمريكية الآخذة بالتوسع، والامتداد إلى أجهزة الثقافة.‏ 


وخطا الباحثون العرب خطوات أعمق في دراسة جذور ظاهرة الغزو الثقافي، كما في كتاب مسعود ضاهر (لبنان) «مجابهة الغزو الإمبريالي الصهيوني للمشرق العربي ـ دراسة في الثقافة المقاومة» (1989). ومن المفيد، أن نذكر أن الكتاب يلتزم بمنهج تاريخي نقدي في رؤية الظاهرة من أجل ما سماه «إصلاح السياسة بالثقافة النقدية المقاومة» و«التحليل الكيفي للظاهرات الثقافية» و«استشراف المستقبل بالثقافة العربية المقاومة»، ومثل هذا المنهج، كفيل، برأيه، في التصدي «لإشكالية الغزو الثقافي الصهيوني الإمبريالي للمشرق العربي في علاقتها الجدلية مع نقيضها إشكالية المجابهة، وهما إشكاليتان لا تلتقيان إلا في حقل الصدام المباشر. لذلك أعلنت هذه الدراسة انحيازها الكامل إلى جانب مجابهة الغزو ورسم الطريق العلمية الموصلة إلى المجابهة بالثقافة العربية الوحدوية، ثقافة التغيير الجذري والتنمية الشاملة»(21).‏ 


إنها عود إلى ثنائية التبعية والتنمية حين تغدو مواجهة الغزو الثقافي إقراراً بضرورة نقد المركزية وتعددها من جهة، وبحث الاختلاف على أساس سلطان العقل النقدي وحده من جهة أخرى، وهو ما ينادي به نوفل نيوف (سورية) في بحثه «مواجهة الغزو الثقافي ـ نموذج تطبيقي» (أدب ونقد 1996)، فقد ختم بحثه بعبارة دالة لهشام شرابي من كتابه «النقد الحضاري للمجتمع العربي في نهاية القرن العشرين» (1990):‏ 


«في غياب الحريات والحقوق الأساسية، لا يمكن لأي مجتمع أن يحقق أهدافه الإنسانية.. ولم يعد التخلف مجرد وضع اقتصادي أو سياسي، بل أصبح نظاماً وحشياً، ونمطاً من العيش الحيواني اللاإنساني»(22).‏ 


إن التبعية ليست قدراً، ولئلا تكون كذلك، فإن مواجهتها بالتنمية الشاملة والمستقلة هي السبيل. وقد تعددت المواجهات الفكرية لفكر التبعية، وكان جلال أمين (مصر) من أوائل المفكرين الذين تصدوا لإشكالية التبعية الاقتصادية والثقافية في كتابه «تنمية أم تبعية اقتصادية وثقافية» (1983)(23)، ويشير العنوان الثاني للكتاب إلى محتواه «خرافات شائعة عن التخلف والتنمية وعن الرخاء والرفاهية».‏ 


ليس بوسعنا الإحاطة بالقضايا المتصلة بالهوية وتحدياتها. وباستجابات المفكرين والكتاب العرب تأليفاً أو تعريباً، ولكنني أورد إشارات أو علامات لتنامي الوعي بها، ولا سيما التعريب الناجم عن استهداف الموضوعات المعربة، كما هو الحال مع علي وطفة (سورية) في تعريبه لكتاب إليكس ميكشيللي Alex Mucchielli «الهويةL’Identite » (1993)، فقد أراد إخراجه باللغة العربية ووضعه في متناول من تعنيه مسألة الهوية، وذلك أملاً منا في خدمة إنسان العروبة، حول مسألة الهوية وقضاياها. وحرص المعرب على شرح مفهومه للهوية، في مقدمته، مرتكزاً على العناصر المتغيرة، بالإضافة إلى الأخرى الثابتة، «فالهوية ليست كياناً يُعطى دفعة واحدة وإلى الأبد. إنها حقيقة تولد وتنمو، وتتكون وتتغاير، وتشيخ وتعاني من الأزمات الوجودية والاستلاب»(24)، وهي نظرة قابلة للحوار إزاء معضلات خطيرة في تكون الهوية مثل الثابت والمتغير، والتاريخي والراهن، ناهيك عن جدل الخاص والعام في عناصر الهوية، ولعل هذا هو مفهوم المؤلف الخاص والعام بقوله: «لقد استطعنا، عبر تحليل مفهوم الإحساس بالهوية إلى عناصره الحسية الأولية والتي تتمثل في الإحساس المادي، والإحساس بالانتماء، والتماسك، والاستمرارية الزمنية، والاختلاف، والتقدير، والاستقلال والثقة، والإحساس بالوجود أن نسلط الضوء على مختلف الأزمات التي تتعرض لها الهوية، والتي تنشأ عندما تتعرض إحدى هذه الأحاسيس، أو بعضها للإصابة والتمزق»(25).‏ 


لقد صار هذا الحوار إلى التمعن في تأثير المتغيرات على الهوية في نزوعات التغريب على وجه الخصوص، حيث تستطيل في امتدادات الهيمنة والمركزية الغربية، فقد ترجم خليل كلفت (مصر) كتاب سيرج لاتوش Serge Latouche«تغريب العالم l'Occedentalisation du Monde ـ بحث حول دلالة ومغزى وحدود تنميط العالم» (1989وظهرت ترجمته بالعربية عام 1992)، والكتاب أشبه بتقرير عن حال الاغتراب بما هو اكتمال هيمنة المركزيات، ولكنه في الوقت نفسه انفراجة الأمل بالتغيير: «وتحت هراسة التغريب يبدو أن كل شيء قد تمّ تدميره وتسويته وسحقه بالفعل، لكن في كل مكان، في الوقت ذاته، يكون كل ما هنالك في كثير من الأحيان أن تضاريس الأرض مشقوقة، فهي تقاوم أحياناً، وهي متأهبة لإعادة تكوين أديمها. والواقع أن استبعاد المكاسب المادية والرمزية للتحديث، وهي وفيرة دائماً، يمكن ويجب أن يبتكر حلولاً جديدة من أجل البقاء كمكان وكإنسانية، وهذه التطلعات المغايرة تستكشف نفسها من خلال الارتجال والتلفيق. ويمكنها أن تنتج مسوخاً، أو أن تستردها الآلهة، لكنها كذلك تغذي الأمل في ألا يكون حصار الآلة نهاية العالم، بل فجر بحث جديد عن الإنسانية التعددية»(26).‏ 


وهذا الأمل هو عاضد الاتجاه إلى الاستقلال الذاتي عبر نقد الذات ومجاوزة الراهن والإكراهات المتعددة في وجه الهوية القومية. ونجد تعبيراً عن ذلك في كتاب ناصيف نصار (لبنان) المسمى «طريق الاستقلال الفلسفي» (1996)، وثمّر هذه الدعوات محمد جابر الأنصاري (البحرين) بانتظام وعي الذات في المسار النهضوي، في كتابه «تجديد النهضة باكتشاف التراث ونقده» (1992)، ثم أدغم مصطفى خضر (سورية) أسئلة وعي الذات جميعها بنقدها المتواصل داخل عمليات نقد الآخر. الحداثة في كتابه «الحداثة كسؤال هوية» (1996).‏ 


لقد صارت الهوية إلى وعي حاد لتحدياتها في أتون المتغيرات العاصفة بعد حرب الخليج الثانية (1991) التي تزامنت مع متغيرات دولية أشمل، أو عجلت بهذه المتغيرات، وأفرزت ضغوطات أشد على الهوية تمثلت بالنسبة للعرب في أمرين، أولهما العولمة، وهي تطوير لآليات الاستقطاب والاستلاب والتغريب والتبعية والغزو والاختراق والتغطية، وثانيهما التطبيع الذي يعني إكراه العرب على القبول بعدوهم العنصري التوسعي المحتل «إسرائيل الصهيونية»، والتحالف معه، وتأبيد احتلاله للأرض، واقتسام الثروات العربية من السماء إلى الماء إلى الخيرات الأخرى.‏ 


إن القبول بالأمرين معاً يندرج في البحث الواسع لما يسمى بإكراهات الهوية نحو الإذعان والاستسلام لشروط القاهر على المقهور، ويعني ذلك ـ فيما يعنيه ـ المحو الذاتي ليس بجعل الهوية واستحقاقاتها أوهاماً فحسب، بل بتكييف شروط الهوية لإملاءات الهيمنة العالمية (المركزيات الغربية وحليفتها إسرائيل).‏ 


وهكذا، لا تفترق غائية العولمة عن توظيف التطبيع لنفي الذات القومية عندما تبلغ إكراهات الهوية حدودها القصوى، فتنعدم قابليات المقاومة وثقافة المقاومة، وهي في جوهرها الوعي بالذات داخل الممارسة القومية والوطنية لمختلف مجالات الحياة الثقافية والسياسية والاقتصادية والاجتماعية. وكنت أوضحت في بحثي «الخطاب الثقافي العربي وتحدي التطبيع» (1997) أن «نضوج الخبرة النضالية في مقاومة التطبيع يندرج في العمل القومي وكفاح الأمة العربية في حفاظها على الهوية، وفي تحصينها للذات، متجاوباً مع عمليات المقاومة الأخرى: الغزو الثقافي في مفاصله الملتبسة والواضحة من التبعية الجائرة إلى العولمة القاهرة»(27).‏ 


أثار تنامي أبحاث الهوية إشكاليات متعددة تمثلت في تشريح عنيف ومباشر وتحليل نقدي متواصل لإكراهات الهوية، ولا سيما التغريب والتبعية والغزو والتطبيع والعولمة تعزيراً للعناصر الباقية للذات القومية وللتراث العربي الحي ولمعوقات التقدم في العلاقات بالسلطة والديمقراطية والعلم والعقل والقومية، وقد تجاوبت أصداء ندوة مركز دراسات الوحدة العربية «العرب والعولمة» (1997) مع هذه الإكراهات تدعيماً للوعي الذاتي، فقد قدم إلى الندوة تسعة بحوث عن مفهوم العولمة وعلاقتها بالتطور التقاني وثورة المعلومات والدولة والمركز (نموذج الولايات المتحدة)، والهوية الثقافية والاقتصاد والتنمية، بيد أن الهام هو النقاش الاستطلاعي عن العرب والعولمة ومفاده التوكيد إياه على مواجهة إكراهات الهوية بتعضيد الخصائص العربية وتدعيم التنمية المستقلة في خضم تيار الاستجابة الفاعل في مواجهة التحديات المصيرية.‏ 


6- التطلع إلى الحديث والحداثة:‏ 


كان التطلع إلى الحديث، والرغبة في التحديث والحداثة أحد أبرز المؤثرات في اشتداد عود الاتجاهات الجديدة في نقد القصة والرواية. وفهمت الحداثة ملتبسة مع مفاهيم كثيرة سادت الحياة الثقافية والأدبية والنقدية والعربية مثل «الجديد» أو «التجريب» أو «الطليعية» في مواجهة القديم، وهي صراعات مستمرة برزت على نحو خاص مع ما سمي بعصر الانبعاث في أوائل القرن التاسع عشر، ولم يستقم استعمال مصطلح الحداثة إلا في وقت متأخر.‏ 


6-1- من صراع القديم والجديد إلى الحداثة:‏ 


نُظر على الدوام إلى الصراع بين القديم والجديد في بعده القومي(28)، وفي بعد المثاقفة (الاتصال بثقافة الآخر الغازي المستعمر)، وفي بعده الحضاري الشامل، وقد وضع محمد الكتاني (المغرب) كتاباً كبيراً، هو أشبه بالموسوعة يقع في 1360 صفحة من القطع الكبير، يحمل عنوان «الصراع بين القديم والجديد» (1982). وقد وجد «ظاهرة الصراع في أدبنا الحديث متصلة بالتحولات الاجتماعية، وبالتحديات الحضارية، وبالمؤثرات الاستعمارية، وبالغزو الفكري، وبكل ما تواجهه أمة ذات حضارة عريقة أمام أمة غازية غالبة تفرض على الأولى منطق الغالب، وتحاول تذويب كيانها في دوامة من الاستلاب والتبعية».‏ 


خصص الكتاني فصولاً مطولة لفحص مفهوم القديم والجديد وظهوره في الأدب العربي الحديث ومستويات تصوره في ضوء الوعي الديني والأدبي والقومي والوضعي والاجتماعي، ومحاوره الأساسية: الصراع حول العامية والفصحى، الصراع حول الأساليب الأدبية، الصراع حول البلاغة العربية، الصراع حول قضايا الشعر، الصراع حول مناهج الدراسة وتقويم التراث، وختم بحثه بأسس الرؤية التقويمية للصراع، ولاحظ أن النثر العربي يحقق التوازن والتلاؤم في عالم الحداثة أكثر من الشعر، وفشل المحاولات التجديدية الفاقدة للجذور الإيديولوجية العربية، وانحسار المد الكلاسي والرومانسي، واسترجاع الأدب العربي لتوازنه بين القديم والجديد، واستمرار الصراع بين المثالي والمادي في فكرنا العربي.‏ 


لقد وضعت مصنفات كثيرة، ناهيك عن المقالات والأبحاث، في صراعات الأدب العربي الحديث في مظاهره المتعددة: القديم والجديد أو التجريب أو الطليعية، وتدور غالبيتها حول الأدب، ولا سيما الشعر، وذكر الكتاني في مقدمة كتابه اثني عشر كتاباً.‏ 


واعتقد أن كتاب الكتاني الأشمل في مجاله. وعندما حرر محمد كامل الخطيب (سورية) إعداداً وتقديماً، كتابه «القديم والجديد» (1989) كان شاحباً إزاء كتاب الكتاني، لأنه يحمل المنظورات الشاملة إياها في رؤية الصراع بين القديم والجديد، وإن اختلفت الرؤى والأفكار الموجهة والناظمة لفهم حركة الصراع ومحاوره ونتائجه، وعلى تمع السلامةن المستوى بين الكتابين، فالأول دراسة مستوعبة وناقدة، والثاني مختارات لبعض الكتّاب والمفكرين مزودة بمقدمة قصيرة، أشار فيها إلى أن «قضايا عصر النهضة ما تزال قضايانا، من تحديد مفهوم الأمة، إلى تنظيم مؤسسات المجتمع، إلى الأجناس الأدبية، وشخصيات عصر النهضة ما تزال حية بيننا، من أبي الهدى الصيادي والرافعي، إلى سلامة موسى والعقاد ومحمود أحمد السيد إلى علي عبد الرازق وسليم خياطة والصراع الذي جرى آنذاك ما يزال يجري الآن»(29).‏ 


واختار الخطيب لكتابه تصنيفاً آخر حوى مقدمات حول مسألة القديم والجديد، ومشكلة كتاب «في الشعر الجاهلي» مثالاً للمعارك الفكرية، ونقاشات وحوارات حول القديم والجديد في مجالات فكرية واجتماعية وأدبية مختلفة.‏ 


ثم اكتشفت «الحداثة» ومصطلحها في خضم هذه الصراعات، وقابله، فيما بعد، مصطلح «القدامة»، وصار التطلع إلى الحداثة، في واجهة الاهتمامات الثقافية والأدبية والنقدية، مرتهناً بالأبعاد إياها التي طبعت الصراعات السابقة: البعد القومي، بعد المثاقفة، البعد الحضاري الشامل. وبين 152 مرجعاً لدراسة الفكر العربي الحاضر عالجها بولس الخوري (لبنان) في كتابه «التراث والحداثة» (1983) ربما كانت هي الأهم بين مثيلاتها، يظهر بجلاء القلق الفكري العنيف الذي يهز وجدان المثقف العربي إزاء قضايا التأصيل في موازاة التحديث: كيف نخلق التركيب الجديد، أو هو التأمل العملي الذي أطلقه صادق جلال العظم ثم تبناه آخرون: العالم القديم يمثل «الأطروحة»، واقتحام الغرب يمثل «النقيض»، فيما «التركيب» يمثله عالم جديد عربي أوروبي. وهكذا.‏ 


وعندما وصف الخوري هذه المراجع، توصل إلى نتيجة محددة هي أن التحرر في المجال الثقافي يكون «بالتخلص من نير الأجنبي الذي يسعى إلى فرض ثقافته ليحلها محل الثقافة الوطنية العربية. قد يؤدي هذا الإصرار على حماية الهوية الثقافية إلى نوع من الاختناق الذاتي، وذلك برفض الاتصال والانفتاح والانغلاق على الذات والانخداع بالاكتفاء الذاتي. بالمقابل يأتي التحديث موازياً لهذا الاتجاه، وهادفاً إلى إخراج الثقافة التقليدية من شكلها القديم. ويكون هذا الإخراج بالإقرار بأن للثقافة هوية ثابتة، من جهة، وطابعاً تاريخياً من جهة ثانية، فيمكن، بالتالي، تطوير الثقافة كي تتحول من شكلها القديم إلى شكل حديث»(30).‏ 


6-2- الحداثة في الأدب أولاً:‏ 


كانت الاستجابة العربية للحداثة في الأدب بعامة، وفي الشعر بخاصة بالدرجة الأولى. وخاض شعراء مجلة «شعر» البيروتية معركة الحداثة الأولى الذين بدوا لأول مرة وكأنهم يغنون خارج السرب، وجمع مقدمهم يوسف الخال (لبنان) مقالاته في كتابه «الحداثة في الشعر» (1978)، وعدّ البيان الشعري «مستقبل الشعر في لبنان» الذي ألقاه يوسف الخال في الندوة اللبنانية عام 1956 بياناً نظرياً للحداثة الشعرية، على أنها «نتاج عقلية حديثة تبدلت نظرتها إلى الأشياء تبدلاً جذرياً وحقيقياً انعكس في تعبير جديد»(31).‏ 


وتلاه أدونيس (علي أحمد سعيد ـ سورية) في الدعوة إلى الحداثة في مجلته «مواقف» البيروتية (اللندنية فيما بعد)، وانتقل من التقليد إلى الشعر الحر أو قصيدة التفعيلة، إلى قصيدة النثر إلى الكتابة. وبلغت وطأة الحداثة عند أدونيس أن سماها «صدمة الحداثة»، وهو عنوان الكتاب الذي جمع فيه مقالاته وأبحاثه عن «تنظيره» للحداثة. وضع الحداثة في مواجهة القدم، (القدامة عند الناقد محمد لطفي اليوسفي)، ومثلما وضع الخطابة، سمة ثقافية عربية، في مواجهة الكتابة، سمة حداثية. واستعان بوصف حداثة شعراء النهضة: البارودي، جماعة الديوان، خليل مطران، حركة أبو للو، وعاين مسائل الانتقال إلى الكتابة: الكلام القديم والكلام الحديث، جبران خليل جبران، الارتداد والتنميط، الارتداد وشكلانيةالإيصال، وكثف وجهة نظره في دواعي أن تكون الحداثة تجاوزاً للإتباع أو الثابت في الثقافة العربية طلباً للإبداع أو المتغير المتجدد، وهي الفكرة المركزية لكتابه «الثابت والمتحول: بحث في الإتباع والإبداع عند العرب» (1978).‏ 


وحذا محمد بنيس (المغرب) حذوه، فأصدر أيضاً «بيان الكتابة» (1981)، وأعاد نشره مع مقالات وأبحاث وشهادات أخرى في كتابه «حداثة السؤال: بخصوص الحداثة العربية في الشعر والثقافة» (1985). وتميزت دعوة بنيس بطلب التغاير الثقافي مع الآخر الغربي ومع السلف، في خطاب يستند إلى قواعد هي المغامرة والنقد والتجربة والممارسة والتحرر و«هذه القواعد تمس ثلاثة مجالات، اللغة والذات والمجتمع. يصعب أن تنفصل قواعد الكتابة عن مجالاتها، وهي التي تريد مفاجأة وتركيب المغاير، الانتقال من بنية السقوط والانتظار إلى بنية التأسيس والمواجهة»(32).‏ 


ومن البحرين نشر قاسم حداد وأمين صالح بيانهما الحداثي باسم «موت الكورس» (1984)، وكان محمد لطفي اليوسفي (تونس) أعاد نشر بعض بيانات الحداثة في كتاب «البيانات» (1993)، ووجد فيها جميعاً، وربما «موت الكورس» على وجه الخصوص، هاجس إلغاء الحدود القائمة بين الأجناس الأدبية: «ظلت محافظة على ملامحها كبيانات تنهض على السرد، وتقول أشد الأسئلة حرقة وإلحاحاً في الثقافة العربية. ولكن السرد تزيّا، في السّر بملامح الشعر، حتى ليكاد الشعر يتماهى مع السرد. وإذا البيان لحظة خطرة تضعنا في حضرة نمط من الكتابة آخذ في التشكل، نمط يعصف بالحدود جميعها»(33).‏ 


واقترب عبد السلام المسدي من قضية النقد والحداثة مساءلة وتصنيفاً، وأصدر كتابه الموسوم «النقد والحداثة: مع دليل ببليوغرافي» (1983)، تقصى، فيه، موضوعة الحداثة بين الأدب والنقد، وتوقف عند بعض قضاياه الملحة: اللسانيات والأدب، في تعريف الخطاب الأدبي، التضافر الأسلوبي وإبداعية الشعر، الأدب العربي ومقولة الأجناس الأدبية. ويؤشر هذا الكتاب إلى رسوخ الحداثة في الأدب العربي المعاصر اتجاهات تتأصل في حركة النقد بخاصة، فقد رأى مؤلفه أن «الملحق الببليوغرافي خير شاهد على أن مسار حداثتنا مسار غالب أصيل»(34).‏ 


وكنت وضعت كتاباً حول معضلة الحداثة سميته «الأدب العربي وتحديات الحداثة» (1987)، ويضم مقاربات حية عن سيرورة التقاليد الثقافية وشجون تأصيلها، تعريب الحداثة، معضلات التنمية الثقافية والقلق الفكري، التفكير الأدبي العربي المعاصر واقتحام الغرب. وفي عام 1994، جمع فاضل العزاوي (العراق) مقالاته وشهاداته حول الحداثة في كتاب حمل عنوان «بعيداً داخل الغابة: البيان النقدي للحداثة العربية» (1994)، وحوى، فيما حواه، «بيان 1969 «الشعري» الذي ركز على ارتباط الحداثة بتغير الحياة وإعادة تركيب العالم داخل رؤيا شعرية جديدة»(35).‏ 


ونلاحظ أن المصنفات عن الحداثة في الأدب والشعر والقصة قد تضاعفت أثر ذلك، كما هو الحال مع هذه العنوانات: «قضايا الحداثة في الشعر والقصة القصيرة» (1993) لأحمد فضل شبلول، و«الحداثة الشعرية» (1995) لمحمد عزام، و«وعي الحداثة: دراسات جمالية في الحداثة الشعرية» (1997) لسعد الدين كليب.‏ 


6-3- نقل أو تعريب فكرة الحداثة:‏ 


انتشر فكر الحداثة في الأوساط الثقافية والنقدية نقلاً أو تعريباً له، وكان تعريب كاظم جهاد لكتاب هنري لوفيفر H.Lovever «ما الحداثة» (1983)، نشداناً لتعريف الحداثة في أكثر من كونها مجرد فكرة، وعلى الرغم من أن لوفيفر رأى تجلي الحداثة في ممارستها بالأساس، إلا أنه لا يمكن، تعريف الحداثة، كفكرة، «أو للتعمق أكثر كأفق لآفاق تكشف عن نفسها تدريجياً»(36).‏ 


لقد أدرك النقاد والباحثون العرب أن الحداثة لا تقتصر على مجالات الأدب، فهي فلسفية، وأنها ظاهرة غربية، فعكفوا على تعريب الكتب الرئيسة في فهم الحداثة، وسياقها التاريخي والمعرفي، وقد ترجمت فاطمة الجيوشي كتاب هابرماس J.Habermas «القول الفلسفي للحداثة Le Discours Philosophique de la Modernite» (صدر بالألمانية عام 1985 وترجم إلى العربية عام 1995)، قصد الإجابة على الأسئلة الشائكة والمعقدة. وقد حوى الكتاب تتبعاً لمفهوم الحداثة منذ نهاية القرن الثامن عشر، وحفل بتحديدات مهمة لعلائقها الداخلية وعلاقاتها الزمنية والموضوعية، فدرس وعيها للزمان وحاجتها إلى إيجاد ضمانات خاصة في داخلها، ومفهوم هيجل ونيتشة لها، وعلاقاتها بالأنوار، وما آلت إليه في المجالات المتعددة: نقد الميتافيزيقا، نقد الأدب والفن، نقد العقل، إنتاج المجتمع.‏ 


يتطلب هذا الكتاب إعمال التأمل في نظرته للحداثة المتشربة لتطورات العالم الحديث الأوروبي، ولا يخفى أن أسئلة هذا المصنف تنفتح على خصوصيات التجربة الأوروبية، وينبغي ألا نغفل عن ذلك في قراءة تعاين جذور الحداثة وتطوراتها في ثقافة شديدة التنوع والثراء في مفصل خطير، تبدو فيه الحداثة مهددة من داخلها، مثلما تواجه مخاطر خارجية من مركز الهيمنة الأمريكي، ونلاحظ أن المؤلف يعي مأزق الحداثة في إيماءات السيطرة: «إن حلم هذه الهوية الأوروبية المختلفة كلياً التي تتلقى بحزم إرث العقلانية الغربية، ينمو في الزمن حيث تستعد الولايات المتحدة، تحت راية ثورة أمريكية ثانية، للوقوع مجدداً في أوهام بدايات النزوع للحداثة. إن طوباويات الروايات السياسية القديمة كانت قد أنشأت تناضحاً خداعاً بين أشكال الحياة العاقلة. السيطرة التقنية على الطبيعة والتعبئة الفظة لقوة العمل الاجتماعية. إن تصور الحداثة لذاتها، منذ بداياتها، كان مشغولاً بهذا التطابق بين السعادة والتحرر من جهة، والسلطة والإنتاج من جهة أخرى. الأمر الذي أدى إلى قرنين من النقد الذاتي»(37).‏ 


أثار المؤلف في كتابه تحديات الحداثة العلمية والمعرفية، ولا سيما إحلال العقلنة النظمية محل العقل المتمركز على الذات الأوروبية والأمريكية، وهو مسار حداثة لا يوافي تحدياتها العربية، ولكن فهمها وفهم هذا المسار قمين برؤية أفضل لحداثة تداهم ولا تفهم تماماً.‏ 


لقد ترجمت مصنفات كثيرة، ولكنني آثرت التوقف عند نماذج أكثر دلالة على سيرورة الحداثة ونقدها في الغرب، وقد كان آلان تورينAlain Touraine في كتابه «نقد الحداثة Critique de la Modernite» (1992وظهرت ترجمته بالعربية عام 1997) من أكثر مفكري الغرب تصدياً لخطاب الحداثة الذي قام على الحرية (الإنسان هو ما يفعله)، وانتصار العقل وسيادة القانون والدولة محل التعسف والعنف، بيد أن الحداثة اندرجت في السلطة، «فما نسميه مملكة العقل، أليس هو السيطرة المتنامية للنظام على الفاعلين، ولفرض السوية والتنميط Normalization الذي، بعد أن أطاح باستقلال العاملين، امتد إلى عالم الاستهلاك والاتصال؟ تمارس هذه السيطرة بطريقة ليبرالية أحياناً، وأحياناً أخرى بطريقة تسلطية»(38). وهذا معنى الحداثة بوصفها سيطرة قائمة على العقل وعلى العلم وعلى التقنية، «فقد أطاحت الحداثة بوحدة عالم خلقته الإرادة الإلهية، أو العقل أو التاريخ، وحلت محله العقلنة وتحقيق الذات»(39).‏ 


إن ثمة افتراقاً بين الحداثة اليوم، ومعارضاتها: الانفصال الكامل بين المجتمع كتيار جارف من التغييرات التي يبلور الفاعلون في غماره استراتيجياتهم للغزو أو للبقاء على قيد الحياة، وبين خيال ثقافي ما بعد حداثي. وبالمقابل، انتشار في الوقت نفسه وفي كل مكان هوس هوية لم تعد تحددها الملاحظ الاجتماعية. وما يقترحه آلان تورين هو «إعادة تعريف الحداثة كعلاقة يسودها التوتر بين العقل والذات، بين العقلنة وتحقيق الذات، بين روح النهضة وروح الإصلاح، بين العلم والحرية. وهو موقف بعيد عن حداثة اليوم التي دخلت في مرحلة الانهيار، وعن ما بعد الحداثة التي يجول شبحها في كل مكان»(40). إن نقد الحداثة عند تورين بالسعي إلى تخليصها من التراث التاريخي الذي اختزلها في العقلنة، وإلى إدخال فكرة الذات الشخصية وتحقيق الذات إليها.‏ 


6-4- فهم الحداثة ونقدها عربياً:‏ 


غير أن الاستجابات العربية للحداثة جاوزت خلال العقدين الأخيرين حدودها في الأدب بعامة، وفي الشعر بخاصة إلى عمليات فهم الحداثة ونقدها من منظورات شاملة. وكان زكي نجيب محمود (مصر)، وحليم بركات (سورية)، وهشام شرابي (فلسطين) من أوائل المفكرين العرب الذين صدروا في فكرهم عن فهم للحداثة ومآزقها في الحياة العربية المعاصرة، وعن تمحيص لتجلياتها المؤرقة على الوجدان القومي، وأذكر على سبيل المثال كتاباً واحداً دالاً لكل منهم: «تجديد الفكر العربي» (1971) لزكي نجيب محمود، و«المجتمع العربي المعاصر» (1984) لحليم بركات، و«النقد الحضاري للمجتمع العربي في نهاية القرن العشرين» (1990) لهشام شرابي.‏ 


ولعل حنا عبود (سورية) أول ناقد عربي يتصدى لمفهوم الحداثة من منظور شامل في كتابه «الحداثة عبر التاريخ: مدخل إلى نظرية» (1989)، فتختلف الحداثة عن التجديد الذي يتخلق يومياً، وهذا ما دعاه لاختبار مفهوم الحداثة عبر التاريخ، فتوقف عند حداثتين الأولى زراعية في العالم القديم، والثانية صناعية في أوروبا الحديثة، وتلمس لعرضه مؤلفات وأفكار وظواهر اجتماعية وسياسية ترى في الحداثة صيغة شمولية تسود المجتمع، وليس تجريداً مرحلياً، والعرض جريء يستند إلى ثقافة ثرة ورأي مستقل وحذر في تناول منعكسات الحداثة على الفكر العربي والثقافة العربية.‏ 


مهد عبود لمدخله إلى نظرية الحداثة بالتعريف بالنظريات التطورية وغير التطورية، أو النظريات المتعارضة على حدّ تعبيره، متجنباً التعريج على المؤلفات التي ظهرت في العربية عن الحداثة، لأن مرامه هو إضاءة وجهة نظره المحددة، لا إرهاق كراسته بمناقشات هامشية لا تسهم في إبراز ما يريده. ثم عالج النظريات الوظيفية والحداثة، وصور تماهي الذات، والحداثة الأولى، وعصر الوحدانية، والحداثة الثانية، وخلص بالرأي إلى أن الباحثين لا يتفقون على زمن معين للحداثة، وعرض لآراء كريستوفر كودويل وهنري لوفيفر وادموند ولسون ومالكولم برادبوري وجيمس مكفرلين وارنولد هاوزر.‏ 


ثم استنبط عبود قانوناً للحداثة، بالاعتماد على مصطلحين يونانيين هما الانانكي Ananke والمويرا Moira، وقد اعتقد اليونان أن الأنانكي هو القدر الأعظم أو القانون الأكبر أو النظام الذي ما بعده نظام، حيث تخضع له الآلهة والبشر معاً، أما المويرا فهي في عرفهم القدر الأصغر الذي يخضع له البشر وتفرضه الآلهة. فتكون الحداثة خطوة تقترب إلى الأنانكي، والحداثة تزداد طرداً مع الاقتراب من الأنانكي. وإذا ساد الفكر الوحداني، تباطأت الحداثة أو تعثرت أو تلاشت، وذكر بعض الملامح الأخرى:‏ 


- تشتمل الحداثة على نوع من الخرق للزمن والتاريخ.‏ 


- ليست الحداثة مكوناً في الذات. إنها خروج منها، فالأنانكي لا يعترف بالذات. إن الذات من ضمن موجوداته التي يسري عليها قانونه.‏ 


- الحداثة لا تستهويها «الإنسانية»، ولا تختبئ وراء هذا الشعار وأمثاله. إنها مواجهة وخرق للوصول إلى الأنانكي.‏ 


- فيما يتعلق بالإنسان أو المجتمع أو الطبيعة، تسعى الحداثة للوصول إلى الأنانكيات المتحكمة والطبقة الآسرة التي لا فكاك منها، فتكتشف التدمير المحيق من غير أن تعد بعصر ذهبي ومن غير فرض إيديولوجياً معينة، فكل إيديولوجيا عبارة عن وحدانية.‏ 


- تسعى الحداثة إلى الحرية من خلال معرفة الأنانكي، وليس من تجاهله، أو تزيينه أو شرحه شرحاً متحيزاً، إن الاستلاب الذي يخضع له الإنسان لا يرجع فقط إلى الأنظمة الاجتماعية والأيديولوجيات الوحدانية، بل يرجع أيضاً إلى الأنانكيات المتحكمة به.‏ 


- لا يخفى أن الحداثة تدفع بالشكل إلى أبعد حدوده، ليتطابق مع مقتضيات الأنانكي، ولا ينطبق هذا على الأدب، بل على كل شيء. ولهذا تسعى الحداثة وراء الأشكال التي تؤمن تأدية مثلى للوظيفة، فنحن دائماً أمام محاولة المقاربة، مما يعزز دور الجمالية الفوضوية، التي تسعى دائماً إلى التجاوز من أجل أنانكية أشد إقناعاً(41).‏ 


وكانت المحاولة الثانية المكتملة لدرس الحداثة فلسفياً في كتاب «فلسفة الحداثة» (1992) لمؤلفيه فتحي التريكي ورشيدة التريكي (تونس). وقد صدر فيه مؤلفاه عن فكرة مفادها أن الأخذ من الغرب لا يعني قطيعة معرفية مع الموروث، لأن الغرب نهض في حداثته على العلم العربي والحضارة العربية. إن الحداثة، في رأيهما، «مصيرنا، وأن علينا فتح كياننا على تاريخيتنا لا من حيث أنها تربط حاضرنا بجذورها، وبالحضارات التي تعاقبت علينا فقط، بل وأيضاً من حيث أنها انفتاح على الإقبال والمصير، لهذا لم نعد بحاجة إلى تأصيل كياننا بقدر ما نحن بحاجة إلى فتحه على الحداثة، وعلى مسارها في تمظهرات الفكر العالمي.. فلسفة الحداثة في كنهها ما هي إلا تسرب الوعي في الذات بضرورة انتصار الحياة والوجود على الموت والعدم، نعني وجودنا التاريخي الذي يحدد مصيرنا العربي الإسلامي»(42).‏ 
توقيع : بوح القلم

الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل
 
النقاد يتحدثون ، العوامل المؤثرة في تكوين الاتجاهات الجديدة لنقد القصة والرواية
استعرض الموضوع السابق استعرض الموضوع التالي الرجوع الى أعلى الصفحة 
صفحة 1 من اصل 1

صلاحيات هذا المنتدى:لاتستطيع الرد على المواضيع في هذا المنتدى
منتدى شعاع الإيمان :: أشعة أدبية و ثقافية ::   :: شعاع الأدب العام-