منتدى شعاع الإيمان

إذا أردت النجاح في حياتك الدينية و الدنيوية .. فأنت في المكان الصحيح
 
الرئيسيةالرئيسية  اليوميةاليومية  س .و .جس .و .ج  بحـثبحـث  الأعضاءالأعضاء  القرآن الكريم  المجموعاتالمجموعات  الفوتوشوب  اتصل بنا  التسجيلالتسجيل  دخولدخول  
أفضل الاعضاء هذا الشهر
آخر المشاركات
احصائيات سريعة
هذا المنتدى يتوفر على 482 عُضو.
آخر عُضو مُسجل هو dalel فمرحباً به.
أعضاؤنا قدموا 7753 مساهمة في هذا المنتدى , في 2964 موضوع

اهلا بك زائرنا الكريم

لأننا نعتز بك .. ولأننا نفخر بوجودك معنا.. نحن ندعوك للتسجيل معنا في منتدانا ولتكون أحد أفراد عائلتنا الودودة فهل ستقبل دعوتنا ؟ عملية التسجيل سهلة جدا ، تستغرق أقل من دقيقة

لا تحقر الشهادة! - مقال للشيخ اللغوي عصام البشير

حفظ البيانات
الرئيسيةالإنضمامنسيت كلمة المروربحثطلبات التصميم اتصل بنا

شاطر | 
 

 لا تحقر الشهادة! - مقال للشيخ اللغوي عصام البشير

استعرض الموضوع السابق استعرض الموضوع التالي اذهب الى الأسفل 
كاتب الموضوعالموضوع


عضو متألق

عضو متألق
معلومات إضافية
 احترامه لقوانين المنتدى احترامه لقوانين المنتدى :
الدولة الدولة : المغرب
الجنس الجنس : ذكر
عدد المساهمات عدد المساهمات : 193
نقاط العضو نقاط العضو : 5
تاريخ التسجيل تاريخ التسجيل : 01/09/2015
العمر العمر : 23

معاينة صفحة البيانات الشخصي للعضو
مُساهمةموضوع: لا تحقر الشهادة! - مقال للشيخ اللغوي عصام البشير   الثلاثاء 1 سبتمبر - 18:46

لا تحقر الشهادة! - مقال للشيخ اللغوي عصام البشير
لا تحقر الشهادة! - مقال للشيخ اللغوي عصام البشير



بين يديَّ الآن كتابٌ أتسلَّى بقراءته، وأريح ذِهْني من الكلال الذي يُصيبه كثيرًا، بعد شيء من المجهود في مُطالعة كُتب العِلم الشرعي المختصَّة، أو الكتب الأدبيَّة الدَّسِمة، وهو كتاب “ما بعد الأيام”؛ لصاحبه الدكتور أحمد حسن الزيَّات، خَتَن الدكتور طه حُسين على ابنته.

وهذا الكتاب أرادَ له مؤلِّفُه أن يكونَ تَتِمَّة للسيرة الشخصيَّة التي عقَدَها طه حُسين لنفسه في كتابه “الأيام”، ويقول المؤلِّف: إن التلفاز المصري طلَبَ منه أن يعدَّ فصولاً في سيرة عميد الأدب العربي، يعتمد عليها في إخراج سلسلة تلفازيَّة جديدة عنه، فكان هذا الكتاب استجابة لرغبة مسؤولي التلفاز.

وأنا أتركُ جانبَ ما يُمكن أنَّ يُقال عن دِقَّة المؤلِّف في خَلْطه بين الأحداث الواقعيَّة، والمواقف المفترضة المتخيَّلة؛ وأترك التشكيكَ في موضوعيَّة المؤلِّف، حين يَعْرض لمواقف المترجم السياسيَّة، أو مساجلاته الفكريَّة والأدبيَّة، وأترك التعليقَ على أسلوب الكاتب، الذي سارَ فيه على طريقة كُتَّاب “السيناريو”، فتتوالَى فيه الأفعال المضارعة على صورة ترهقُ صاحب الذوق الأدبي السليم.

أترك هذا كلَّه؛ فليس مما يهمني في قبيلٍ ولا دَبير، والكتاب – قبل كلِّ شيء – ليس مما يُحتفى بنقْده، وتَتَبُّع مواطن الخَلل فيه؛ إذ هو أقلُّ من ذلك بكثير، ولا يخرج إجمالاً عن طرائق أهْل الصحافة المكتوبة في مؤلَّفاتهم.

لكنَّ بعضَ المواضع من الكتاب استثارتني، ورمتْ بِيَ بين أحضان الحاسب؛ لأُرَقِّمَ هذه السطور.

تأمَّلتُ في حالة هذا الرجل الذي يُقال عنه عميد الأدب العربي، وعدْتُ بذاكرتي إلى ما قرأتُه له من مؤلَّفات، وأنا بعدُ في سنِّ المراهقة، ككتابه عن الأدب الجاهلي، ومجموعة مقالاته التي كان يصدرُها يوم الأربعاء في بعض المجلات، ثم جمَعَها في سِفْرٍ واحدٍ من ثلاثة أجزاء، وأضفتُ إلى ذلك ما قرأتُه له بعد ذلك؛ من الروايات والكُتب.

وتدبَّرتُ ذلك كلَّه بميزان النقْد الذي اصطنعتُه لنفسي بعد أن عرَفْتُ من الأدباء القُدامى والمحدَثين – من أهْل العربيَّة وأربابِ الأدب الأوروبي الحديث – ما صِرْتُ به أعلم بمصادر الأدب وموارده منِّي أيَّام كنتُ مُراهقًا حَدَثَ السنِّ، تستهويني الدعاوى، وتغرُّني الألقابُ.

ولم ألبثْ بعد يسيرٍ من التدبُّر أن انبعثتْ من أعماقي صَرخةٌ فيها كثيرٌ من الألم والمرارة: ما الذي جعلَ هذا الرجل يتربَّع على عرْشِ عمادة الأدب العربي في العصر الحديث؛ حتى صارَ أولادُنا في المدارس يعرفون اسْمه قبل أن يعرفوا أسماء الرافعي، والزيَّات، ومحمود شاكر، والطنطاوي؟أستغفر الله، بل هم يعرفون اسمه وكُتبه وشيئًا غيرَ قليل من سيرته، ثم هم لا يعرفون أسماءَ الآخرين أصْلاً، فضْلاً عن أن يكونَ لهم بعضُ اطلاعٍ على كتاباتهم!

أيكون ذلك لأجْل أسلوبه الفني، الذي يُسحر الألباب، ويأْسِر القلوب؟ كلاَّ والله! ليس لطه حسين من ذلك شيءٌ كبير ولا صغير، بل أسلوبه إنْ يرتفعْ قليلاً عن أساليب عامَّة طلبة الأدب وكُتَّاب الجرائد، فإنَّه لا يرتقي إلى مراتب الأدباء المبرزين من أهْل العصر، عربيِّهم وعجميِّهم، فليس هو من أهْل الصناعة والتكلُّف اللفظي، ولا هو من أهْل السلاسة وتوليد المعاني، وليس فيما يكتبُ تشبيهاتٌ رائقة، ولا تراكيب مُتناسِقة، ولا خيال أخَّاذ، ولا وصْف دقيقٌ، هذا مع تَكرارٍ كثير تَمَلُّ منه الأسماعُ، وتكلُّ من ثِقَله العيون؛ وحَوَمان طويل حول المعنى المقصود، فلا يصيبُه إلاَّ بعد أنْ تتفطَّرَ كبدُ القارئ، أو تكاد.

أم لعلَّ ذلك لدِقَّته في البحث، وإبداعه في النقْد الأدبي، وتجديده في أصول المناهج العلميَّة؟!

وهذا أيضًا كسابقه؛ فإنَّ اقتباسات طه حسين قد سارتْ بذكْرها الرُّكْبان، واشْتُهر عنه أنَّه ممن يجحدُ العارية، لكنَّ جريمته في الفِكْر لا في حُلي الناس، وهذا كتابه عن الشعر الجاهلي، الذي يَعده أنصارُه مَفْخَرته العُظْمى، بل مَفخرة الأدب العربي في هذا العصر، ما زادَ فيه على أنْ أحيا من أقوال بعض المستشرقين ما ماتَ، وحرَّك من راكده ما سَكَن، ثم نسَبَ لنفسه الفضلَ كلَّه، ويأبَى الله إلا أن يكونَ – في واقع الأمر – قد نسَبَ لنفسه الجُرمَ كلَّه.

فماذا بَقِي للأديب، إنْ لم يكنْ له من هَذَين نصيبٌ؟!
بَقِي الضجيجُ والعجيج، واصطناعُ هيئة المجدِّد المظلوم في عصره، عصر الظُّلمات والجهالات فيما يزعم أنصاره، وارتداءُ مسوح شهيد الفِكر الذي يقدِّم نفسه – صباح مساء – قُربانًا في مذبح الحريَّة والتنوير!

والرجل – بلا شكٍّ – ليس مدفوعًا على حِرفة الأدب، ولا هو بالذي يُنكرُ اطلاعُه ومعرفته، ولكنَّ غاية أمرِه أن يكونَ أديبًا كعامَّة أُدباء عصره، أمَّا أنْ يكون عميد الأدب العربي الذي يُقام له ويُقعَد، فلا والله، إلاَّ أن تكونَ صُمُّ الجنادل نجومًا، وحبَّات الرمْل أقمارًا، والعيون الناضبة بحارًا، وطه للأدب العربي عميدًا!

قرأتُ في كتاب الدكتور الزيَّات: كيف كان طه حسين يَسعى وهو بعدُ أستاذ في الجامعة – عن طريق رفع تقرير إلى اللجنة المكلَّفة بوضْع برامج التعليم – إلى إدخال تعليم لغتين في كليَّة الآداب؛ اللغة اليونانيَّة لأهميَّتها لدارسي التاريخ والأدب والحضارة العالميَّة، واللغة القِبطيَّة لأهميَّتها لدارسي التاريخ والأدب والحضارة المصريَّة!

وقرأتُ فيه أيضًا: كيف كان حريصًا – وهو عميد لكلية الآداب في جامعة القاهرة – على التحكُّم في المقرَّرات التعليميَّة للجامعة، وعلى إدخال تعليم اللغات الأجنبيَّة، والأساطير والخُرافات الوثنيَّة، التي يسمُّونها ثقافة يونانيَّة، وعلى ولوج النساء إلى الجامعة، ومخالطتهنَّ الرجالَ فيها، وعلى غير ذلك؛ مما كان له أثرُه العميق في المجتمع المصري فيما بعدُ.

وقرأتُ في الكتاب أيضًا: كيف كان الرجل حريصًا على منصب المراقب العام للثقافة العامَّة في وزارة المعارف؛ لأنَّه كما يقول: “عَملٌ مُهِم وخطير، وفيه فرصة لتحقيق أفكارٍ في التعليم سجَّلتُ بعضها في كتاب: “مستقبل الثقافة في مصر”، هذا إنْ صحَّ ما نقلَه الزيَّات، وما إخاله إلاَّ صحيحًا.

ثم قرأتُ: كيف سَعَى إلى إنشاء جامعات ومعاهد خارج مصر، تُبَشِّر بأفكاره التغريبيَّة في الثقافة والتعليم، وكيف ربَّى أجيالاً من الطَّلبَة – نسجوا على منواله من بعده – على مبادئه الهدَّامة، التي مُلخَّصها: أنَّ نجاتنا في الالتحاق بالغرب، وإغذاذ السير وراءَه، إلى أن نصِلَ إلى ما وصَلَ إليه من حضارة ماديَّة عصريَّة، أو تنقطع أديانُنا وثقافتُنا وتميُّزُنا الحضاري دون ذلك.

وتساءلتُ بعد أنْ قرأتُ هذا كلَّه، وزدتُ عليه بعضَ ما كنتُ أعرفُ عن الرجل من قبلُ: لو لم يكنْ طه حسين دكتورًا متخرِّجًا من جامعة كبرى مشهود لها عند أهْل الشأن الأكاديمي، أكان يقدرُ على إنجاز نصف ما أنجزه، أو ثُلُثه أو عُشْره، أو أقل من ذلك؟!

نعم، كان يُمْكنه أن يكتبَ في الجرائد، وينشرَ في المجلات، ويبثَّ في الناس مؤلَّفاتٍ يعرضُ فيها عصارة ذِهْنه، ولُباب فِكْره، وكان الناس سيصفقون له في عَصْره – إن أعجبَهم إبداعَه.

ولكنَّه على كلِّ حال لن يكونَ إلا أديبًا من الأدباء، وناقدًا من النُّقَّاد، يتكلمُ كثيرًا كما يتكلَّم أصحاب المعارضة في المجالس النيابيَّة، ثم لا يكون إلا ما يقرِّره مَن لهم مقاليد الحُكْم، وإليهم المرجِع في وضْع المناهج، وصَقْل عقول الناشئة.

لستُ أدَّعي أنَّ الشهادة الأكاديميَّة عصًا سِحْريَّة تجعلُ الأسوار التي توقفُ السَّيْرَ خرابًا، وتحوِّل التلالَ التي تقطع الطريقَ رمْلاً وتُرابًا.

ولستُ أزعمُ أنَّ طه حسين اتَّكأ في صعوده على الشهادة وحدَها، وأنه لم يكنْ له – من المواقف السياسيَّة، والعلائق الاجتماعيَّة، والإسناد الأجنبي – ما يجعلُه في أنظار المتصرِّفين رجلاً ملائمًا؛ لتطبيق ما يريدون تطبيقَه في الأُمَّة؛ من أفكار ومناهجَ.

لستُ أدَّعي ذلك، ولكنَّني أعلمُ أنَّ الشهادة الأكاديميَّة صارتْ – في عُرْف القوم – التزكيةَ الوحيدة التي يقرون بها؛ للتمييز بين المحقِّ والمبْطِل، وبين المبتدئ والمنتهي، وبين الشادي والمختص.

ولطالما تساءلتُ: ما الذي يجعلُ الدعوات الحَدَاثيَّة الهَدَّامَة – في اللغة والأدب والدِّين – تنتشرُ في الأُمة منذ أكثر من قرن من الزمان كما تنتشرُ النار في الهشيم، على الرغم من كثرة الأقْلام التي حذَّرتْ من خطرِها، وكثرة المنابر التي هزَّتها حناجرُ الخطباء؛ إذ يبيِّنون حقيقةَ أمرِها؟!

لِمَ تنتشر هذه الدعوات والقائمون عليها ليسوا من فطاحلِ الفكْر، ولا جَهابذة الرأْي، وليسوا إذا قيسوا بمن يردُّ على باطلهم من العلماء والمفكَّرين، إلاَّ كالبقل في أصول النخْل، وحبَّات الرمْل إن قِيستْ بنجوم السماء؟!

ستقول أيُّها القارئ: ما أيسرَ الجواب عن سؤالك هذا! إنما انتشرتْ بقوة الحديد والنار! بثَّتْها في الأُمة قوى الاستعمار الغربي، ثم سَارَ على نهْجه في نشْرِها وحمايتها والمنافحة عنها بقوة السلطان أقوامٌ تركَهم الغرب بيننا ساهرين على حِفْظ تُراثه، وحماية مبادئه.

وأنا لستُ أنكِرُ هذا الجانب، ولا أبخسُه حقَّه، وهو عندي أول الأسباب وأعظمُها، ولكن للحديث عليه مجال من القول غير هذا الذي نحن فيه.

ولكنني تأمَّلتُ أصحابَ هذه الدعوات، فمنذ بداية العصر الحديث إلى يومنا هذا الذي نتلظَّى بأُوار فِتَنه، فوجدتُ أكثرَهم من أهْل الشهادات الجامعيَّة العُليا، يدخل أحدُهم الجامعة خَلْوًا من كلِّ عِلمٍ يعصمُه، صِفْرًا من كلِّ فِكرٍ يحميه ويحصِّنه، فيجد عند أساتذة الكلية مناهج مُسطرة، وتوجُّهات فكريَّة مُقرَّرة، تكتنفُها دعاوى عريضة، وتبجُّحات تنهدُّ الجبال من هولها، فلا يلبثُ المسكين أن ينساقَ وراء القوم فيما هم فيه، وإذا هو بعد سنوات قليلة قد تخرَّج من الجامعة، وأمسكَ بين أناملِه تلك الورقة السحريَّة، التي تؤهِّله للتأليف والنشر والخطابة، وتمكِّنه من أنْ يعتليَ مِنَصَّة التدريس، يبثُّ في طَلَبته ما أفعمه به أساتذتُه، فتكتمل الحلقة، ويستدير الزمان بأهْله.

وتأمَّلتُ حال العلماء والأدباء الذين وقفوا في وجْه هذه الدعوات الحَدَاثيَّة والإلحاديَّة؛ قديمًا وحديثًا، فرأيتُهم شموسًا وأقمارًا، يضيء فكرُهم سُدْفة الجَهل البهيم، ورأيتُهم بحارًا وأنهارًا، يطمُّ علمُهم فيافي البلاد، فيستنبت كلَّ غضٍّ من الحِكْمة، وكلَّ مُونقٍ من معاني الإيمان، ولكنَّهم – إلاَّ ما لا حُكم له من النادر – ليسوا من حَمَلة الشهادات، ولا هم ممن اكْتحَلتْ أعينُهم برؤية فصول الدراسة الجامعيَّة أصْلاً.

لقد جاء الغرب – منذ أكثر من قرن – بجَحافله إلى بلاد الإسلام، وعَلِمَ أنَّ المعركة ليستْ مقصورةً على ميادين الوغَى، وساحات الهيجاء، بل هي في الأفكار والمفاهيم والتصوُّرات، وقد تيقَّنَ حقَّ اليقين أنَّه ما أخرجَه من هذه البلاد أيَّام الحروب الصليبيَّة، إلاَّ أنَّه حين دخَلَ مزهوًّا بانتصاراته العسكريَّة، لم يَأْبه لصراع الأفكار، ولم يحفلْ أنْ يغيرَ مبادئ الناس، ويدجن أذهانَهم، ويستهوي قلوبَهم، فما عَتَّمَ أنْ خرَجَ مهزومًا، لا يلوي على شيء، حين تحوَّلتْ أفكارُ المسلمين ومبادئهم إلى عساكر وسلاح تدكُّ معاقِلَ الاحتلال الصليبي.

تيقَّن الغربُ ذلك وعَلِمَه، ولكنَّه وجَدَ أمامَه جامعاتٍ إسلاميَّة عريقَة، مُوغِلة في القِدَم، متجَذِّرة في حضارة الأُمة ودينِها وثقافتِها، وجَدَ الأزهر والزيتونة، والقرويين وابن يوسف، فحاوَلَ أن يطوِّعَها لمآربه، ويسخِّرَ شيوخَها وعلماءَها لأغراضه وخُططه، ولكنَّه وجَدَ أمامَه سدًّا منيعًا من المقاومة، وعَلِمَ أنَّه لن ينالَ مِن تلك الجامعات وأهْلها، إلاَّ بعد جُهْد جهيدٍ، ووقتٍ مديدٍ، وليس يملِكُ هذا، ولا تسمح نفسُه بذاك.

وقد استقرَّ في أذهان الغربيين أنَّ الذي يخطُّ طريقًا، أو ينشِئ سكَّة حديدٍ، فيواجهه جبلٌ قائمٌ، ولا يقْدِر على دَكِّ الصخور، وحفْرِ الأَصْلاد، ما عليه إلا أنْ يُغيرَ مَسْلَك الطريق، فيلتف حولَ الجبل، ويُكمل بناءَه بين السهول المنبسطة، التي لا تكلِّفه حَفْرًا ولا هَدمًا، وهذا الذي كان في أغلب بلاد الإسلام.

ترَكَ الكفَّار المحتلون هذه الجامعات على حالها، ولم يتعرَّضوا لها بغارة في رابعة النهار، ولكنَّهم الْتفّوا، فبنوا جامعات عصريَّة فيها من العِلم والأدب الأسماءُ دون الحقائق، كما أنَّ في الدنيا خمْرًا وعَسَلاً، وفي الجنة خمْرًا وعسلاً، وليس الخمْر كالخمر، ولا العسلُ كالعسل.

وبدأتْ هذه الجامعات تُفَرِّخُ العلماء والأدباء، وفتحتْ أمامَهم أبوابَ الحُكم على مِصْراعيها، فتسلموا أزِمَّة الثقافة، وخُطُمَ الحضارة، وأنشأ هؤلاء أجيالاً من الناس، تسيرُ على هَدْيهم، وتتبَّع خُطاهم؛ حُذو القُذَّة بالقُذَّة، إلى أنْ صارَ زمانٌ انقطعَ فيه إنتاج العلماء والمفكِّرين بشكلٍ رسْمي ومنظَّم في أغلب بلاد الإسلام، إلاَّ أنْ يكونَ عن طريق الجامعات العصريَّة، وصار إسهامُ الجامعات العتيقة في الفِكْر والحضارة، على الأطْراف والحواشي، بعد أنْ كانتْ تحلُّ من جسد الأُمَّة محلَّ القلب النابض، والضمير الواعي، فأُغْلِق بعضُها بعد أن اضمحلَّ دورُه في الحياة، وبَقِي بعضُها الآخر صورة هامِدَة، وبدنًا لا رُوحَ فيه.

ولولا أنَّ الله – تعالى – تداركَ هذه الأُمة بصحوة إسلاميَّة جارفة أحْيَتِ المساجد والبيوت بالعِلْم والفِكْر، لانْقَرَضَ العلماء الربَّانيُّون من الأُمَّة، وما بَقِي فيها غيرُ نسْلِ الجامعة.

لقد صارَ العَوَام في كثيرٍ من بلادنا لا يقتنعون بكلام الشخص ما لم يكنْ حاملاً لشهادةٍ أكاديميَّة من إحدى هذه الجامعات العصريَّة.

وصارتْ هذه الشهادة تفتحُ لصاحبها أبوابًا دعويَّة هامَّة؛ في المحاضرات العامَّة، والدورات الثقافيَّة، والجرائد والمجلات، وإصدار الفتاوى، وغير ذلك.

وإنني – والله – لأعْرفُ من العلماء مَن شاب رأْسُه في تحقيق فنون العلم، لو أرسَلَ مقالاً أو فتوى لمجلة أو جريدة سائرة لم تَأْبه له، وأعرف – بالمقابل – من حَمَلة الشهادة الجامعيَّة مَن لا يفرِّق في العلم بين الكوع والبوع، ولكنَّه لو تكلَّم في مسألة ما، لقالَ أهلُ الجهل، وسَدَنة الإعلام الذي يُؤَطِّر العَوَام: “هذا رجلٌ من أهْل الاختصاص؛ فاسمعوا لقوله، ولا تلغوا فيه”.

الجامعة إذًا أداة طَيِّعَة في أيدي المتحكِّمين في ثقافة الأُمة، وما علينا إلا أنْ نقفَ من شهاداتها أحدَ موقفين لا ثالثَ لهما:
إمَّا أن نرفضَها رفْضًا قاطعًا؛ لأنها تنشرُ الفكرَ المنحَلَّ، وتبثُّ الجهلَ في صورة العِلم، وتبني جحافلَ من أنصاف العلماء[1] تتصدَّرُ قبل أن تتأهَّلَ، فتُفْسد أكثر مما تُصْلح، وهذا صوابٌ في أغلبه، حقٌّ في مُجمله، وقد بُليتُ من ذلك – أيَّام إعداد شهاداتي الأكاديميَّة – ما أيقنتُ معه أنَّ الجامعة[2] فسادٌ كبيرٌ، وصلاح يسيرٌ، وغرورٌ خطير!

ولا نملكُ بعد هذا الرَّفْض إلا أنْ نضجَّ بألوان التهكُّم على الشهادة الجامعيَّة، ونُلْحِقَها بشهادة الزور في الحقيقة والمعنى، أو نرفعَ عقيرتنا بالشكوى من اختلال المفاهيم، وتطفيف موازين الحُكم على الرجال[3].

وإمَّا أنْ نزاحمَ القوم على كَراسي الجامعة، وقد تحصَّنا من قبل ذلك بدرعٍ سابغة؛ من الاعتقاد السليم، والفِكر الصافي، والعلمِ الشرعي النافع.

فإذا تمكَّنا من تلك الورقة العجيبة التي يسمُّونها شهادة أكاديميَّة، انطلقنا إلى ميادين النضال الفِكري، وقد فُتحتْ أبوابٌ كانتْ من قبل مُغْلقة، وانجلتْ آفاقٌ كانتْ من قبلُ بالغيوم مُلبَّدَة.

إنني لأَجُدني أميلُ كلَّ الميل إلى هذا الموقف الثاني، وأرى أنَّ مصلحة الأُمَّة في ذلك، وإنْ لم يخلُ الأمرُ من بعض المفاسد، ولكنَّها في جَنْب المصالح المرجوَّة قليلة ضئيلة.

ويتأكَّد مَيلي هذا كلَّما رأيتُ خطيبًا على منبر، أو داعية في وسيلة إعلاميَّة، وهو يخبط في العلم خَبْط عشواء، ولا يشفع له أمامَ الناس إلاَّ الدال[4]التي يقدِّمها أمامَ اسمِه، فتُعطيه من الحَصَانة ما لم يكنْ ليدَّعيه دونها، وأتحسَّر حينئذٍ؛ لأنَّ مَن هم أفضل منه؛ سَعة علمٍ، وحِدَّة ذكاءٍ، ونصاعة بيانٍ، لا يستطيعون ارتقاءَ ذلك المنبر؛ لأنهم محجوبون عنه بِعلمهم وفَهمهم؛ عذرًا! أقصد: بانقطاع الوشائج بينهم وبين الجامعة.

إن من رأْيي أنَّ طَلَبةَ العلم المتقدِّمين، والممارسين للشعر والأدب – من الذين لم يتلطَّخوا بأدرانِ التغريب الحضاري، والتميُّع الثقافي، ولم يتشبَّعوا بوساوس الحَدَاثة الفكريَّة المتجرِّدة من كلِّ ضابط، والمتحرِّرة من كلِّ قيدٍ – عليهم أنْ يقتحموا على أهْل الجامعة جامعاتهم، ويحصِّلوا ما أمْكَنَهم من هذه الشهادات الأكاديميَّة العجيبة؛ فإنهم بذلك يسدون الطريقَ أمامَ كثيرٍ من العابثين بتُراث الأُمة، والوالغين في وعْيها وإدراكها الثقافي.

إنَّ كثيرًا من أصحاب الاتجاهات الفكريَّة الهَدَامَّة قد تفطَّنوا إلى هذا المعنى، فكوَّنوا داخِلَ الجامعات العربيَّة مجموعاتِ ضغطٍ – لوبيات بلغة الفرنج – تمتلِك مناصبَ حسَّاسة، يتوارثونها، ويدفعون عن مُزاحمتهم فيها كلَّ مَن ليس على شَاكِلَتهم في المنهج الفكري العام.

فلِمَ نُقصِّر نحن في هذا الْمَيدان، ونكتفي بالشكوى والنقْد؟ أمَا آنَ لنا أن نسعَى إلى تخريج أجيال جديدة من حمَلَة الشهادات الجامعيَّة، هم في الوقت نفسِه علماء راسخون، وأدباء متمكِّنون، فنكون قد رَدَمْنا الهُوَّة بين العلم والشهادة، ومَحَونا أثرَ الفصام بين العلماء وحاملي الشهادات.

هذا رأْيي في هذه المسألة، ومُلخَّصه: ألاَّ تحقرَ الشهادة!
[1] وقد قِيل قديمًا: “إنَّما يُفْسد الدنيا ثلاثة؛ نصف فقيه، ونصف طبيب، ونصف نحْوي؛ فالأول: يُفسد الأدْيانَ، والثاني: يفسد الأبْدانَ، والثالث: يفسد اللِّسانَ”.
[2] إلاَّ النادر الذي لا حُكْم له، وما في الجامعة من خير فأصلُه من خارجها؛ مِن حِلَق العلم، ومجالس الذِّكْر التي لم تنقطعْ قطُّ، وما يكون لها أن تنقطعَ – بإذن الله تعالى.
[3] كقول الأديب علي الطنطاوي – رحمه الله – في مقال له بعنوان: (زفرة أخرى) ضمن كتابه “من حديث النفس”، ص (125): “فلماذا درستَ الحقوق إذا كانت الوزارة لا تعرفُ أقدارَ الرجال إلاَّ بما يحملون من شهادات الاختصاص، وكان صاحبُ الليسانس في الحقوق لا يُعد أديبًا في نظرِها ولو كان شوقي زمانه، أو رافعي أوانه، وترى صاحبَ الليسانس في الأدبِ أديبًا ولو كان أعيا من باقلٍ، وأجهلَ مِن جاهل؟!”.
[4] أو حتى الذال؛ فالأولى لدرجة الدكتوراه، والثانية لدرجة الأستاذية، وقد يجمع بعضُهم بين الحرفين، فذاك – عند القوم – العَلَم الأوْحَد الذي لا يناقَش ولا يُنْتَقَد!
(نشر بتاريخ 19/10/1431 هجري على شبكة الألوكة)
توقيع : فهد ناصر




الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل


مدير المنتدى

مدير المنتدى
معلومات إضافية
 احترامه لقوانين المنتدى احترامه لقوانين المنتدى :
الدولة الدولة : المغرب
الجنس الجنس : ذكر
عدد المساهمات عدد المساهمات : 481
نقاط العضو نقاط العضو : 86
تاريخ التسجيل تاريخ التسجيل : 12/02/2015
العمر العمر : 18

معاينة صفحة البيانات الشخصي للعضو http://emanray.alafdal.net
مُساهمةموضوع: رد: لا تحقر الشهادة! - مقال للشيخ اللغوي عصام البشير   الثلاثاء 1 سبتمبر - 19:35

موضوع مميز
بارك الله فيك

:تحياتي و تقدير
توقيع : شعاع الإيمان

الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل


عضو مشارك

عضو مشارك
معلومات إضافية
 احترامه لقوانين المنتدى احترامه لقوانين المنتدى :
الدولة الدولة : اليمن
الجنس الجنس : ذكر
عدد المساهمات عدد المساهمات : 81
نقاط العضو نقاط العضو : 0
تاريخ التسجيل تاريخ التسجيل : 31/08/2015
العمر العمر : 24

معاينة صفحة البيانات الشخصي للعضو
مُساهمةموضوع: رد: لا تحقر الشهادة! - مقال للشيخ اللغوي عصام البشير   الأربعاء 2 سبتمبر - 22:13

بارك الله في شيخنا و فيك
توقيع : محمد عمار




الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل


عضو vip

عضو vip
معلومات إضافية
 احترامه لقوانين المنتدى احترامه لقوانين المنتدى :
الدولة الدولة : المغرب
الجنس الجنس : ذكر
عدد المساهمات عدد المساهمات : 672
نقاط العضو نقاط العضو : 13
تاريخ التسجيل تاريخ التسجيل : 10/03/2015
العمر العمر : 18

معاينة صفحة البيانات الشخصي للعضو
مُساهمةموضوع: رد: لا تحقر الشهادة! - مقال للشيخ اللغوي عصام البشير   الثلاثاء 8 سبتمبر - 12:08

شكرا جزيلا لك - و الشكر موصول للشيخ الكريم
توقيع : فراس الأندلسي




لا تنسى التسجيل في المنتدى إذا استفدت من الموضوع و الرد عليه


من هنا لمراسلة الإدارة بأي رابط أو صورة لا تعمل أو بأي شيء آخر 




الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل
 
لا تحقر الشهادة! - مقال للشيخ اللغوي عصام البشير
استعرض الموضوع السابق استعرض الموضوع التالي الرجوع الى أعلى الصفحة 
صفحة 1 من اصل 1

صلاحيات هذا المنتدى:لاتستطيع الرد على المواضيع في هذا المنتدى
منتدى شعاع الإيمان :: أشعة أدبية و ثقافية ::   :: شعاع الأدب العام-